ربما كانت عائلة دالي، التي تقيم في بلدة ليسدونفارنا على الساحل الشمالي الغربي الأيرلندي ،هي أقدم عائلة في أوروبا تحترف مهنة الخاطبة، لكن المدهش أن رجال العائلة، وليس النساء فيها ،هم الذين احترفوا هذه المهنة، على امتداد 120 عاما، وجمعوا جانبا من أسرار مهنتهم في دفتر عتيد توارثوه جيلا بعد جيل، وحفل بما يمكن وصفه بلمحات من الواقعية السحرية الأيرلندية ،عن مشاعر الوحدة والمعاناة ولحظات السعادة والفرح، التي تشكل النسيج لمهنتهم.
ويقول ويلي دالي إنه يشعر بالحزن البالغ، لأنه سيكون آخر من يقوم بأداء هذه المهنة من أبناء عائلته، وهذا هو ما دفعه إلى أن يصدر كتابا بعنوان (الخاطبة الأخيرة)، عن الجوانب الإنسانية واللمحات الغريبة والمدهشة في مهنته. ويشير ويلي دالي إلى أن ابنه الأكبر يقيم في المغرب مع زوجته الإسبانية وابنه الصغير، ولا يبدي اهتماما يذكر بعمل الخاطبة، أما ابنه الثاني فهو يعمل حدادا، ولا يتحمس لمهنة الخاطبة، التي لا ترتبط تقليديا بعائد مالي كبير، فأهم ما يحصل عليه من وراء جهوده فيها هو حب الناس وتقديرهم له.
وقد اشتهرت بلدة ليسدونفارنا، في مطلع القرن العشرين، بمنتجعاتها الصحية وبمهرجانها الذي يستمر خمسة أسابيع، والذي تحول إلى موسم للخطبة وازدهار مشاعر الحب والحرص على تتويجها بالزواج، وبفضل جهود عائلته تحول المهرجان إلى أهم شيء في البلدة الأيرلندية الجميلة.
ويقول ويلي إن عمل الخاطبة نشاط يمتد على مدار العام، ولكن في وقت المهرجان يتحول هذا العمل إلى نشاط محموم، لا يعرف التوقف، ويشمل البلدة بكاملها .
وهو لا يعرف على وجه الدقة السر في السحر المحيط بالفرع الذكوري من عائلته وتوفيق هذا الفرع في ترتيب عدد أسطوري من الزيجات الناجحة، ولكن ربما كان جانب كبير من هذا النجاح يعود إلى ما يضمه الدفتر العتيد من أسرار، حيث حرص الخاطبة على أن يسجل فيه ملاحظاته، حول ما يطلبه كل عريس في عروس المستقبل والعكس صحيح، فضلا عن ملاحظاته حول شخصية كل من يتقدم لطلب المساعدة في ترتيب الخطبة والزواج .
ويبتسم ويلي قائلا إن الدفتر يضم المعلومات والبيانات والملاحظات، أما السحر الحقيقي فهو في قلبه وروحه على حد تعبيره.
المدهش أن الخاطبة الأيرلندي العتيد توج الخطبة الأولى في حياته بالزواج وهو في الخامسة عشرة من عمره، ويقول إن الأمر بدا له كالسحر حقا، وبالتالي فقد اعتقد أنه لابد أن يكون ورث شيئا عن أبيه هو الذي يكفل له هذا النجاح في الجمع بين القلوب، وتمهيد السبيل إلى زيجات تستمر حتى نهاية العمر وتتوج بالسعادة والوئام.
ولكن من هم الذين يقبلون على الاستعانة بخدمات الخاطبة ؟ وما هي طلباتهم على وجه الدقة؟ ما هي طموحاتهم ؟ وما طبيعة أحلامهم؟
يقول ويلي في معرض الرد على هذه الأسئلة إن الصفحات القديمة من دفتر العائلة تتحدث عن اللقاءات بين رجال في الخمسينات ونساء في الأربعينات من العمر، وهو يشير إلى أن الزمن قد تغير، فالنساء اليوم هن اللواتي يتصلن به سعيا وراء عريس المستقبل.
وهو يتابع ان النساء كن قبل أربعين عاما يحلمن بعريس يمتلك دارا ولا يكون موغلا في العمر ويتمتع بلامح حسنة بشكل عام، لكي يرثها الأطفال الذين تحلم بإنجابهم . وبالمقابل، فإن الرجال يستعينون به وهم في الخمسين من العمر بعد أن يرحل أمهاتهم عن عالمنا، وبالتالي يشعرون بالوحدة، ويحتاجون لمن يرعى شؤونهم اليومية.
