لم يؤلف الكاتب الأميركي جيروم دافيد سالنغر (1919 ـ 2010) الذي رحل قبل أيام، سوى رواية يتيمة واحدة هي«الحارس في حقل الشوفان»، نشرت في1951 وأصبحت جزءاً أساسياً من مناهج المدارس الثانوية والجامعية في البلاد الناطقة باللغة الإنجليزية، والتي قدمها الروائي الراحل غالب هلسا بترجمة عربية نادرة في السبعينات.

كانت حياته العاطفية مضطربة، فقد أحب أونا أونيل، ابنة المسرحي المعروف يوجين أونيل لكنها تركته وفضلت الزواج من شارلي شابلن، فسار سالنجر من زيجة إلى أخرى، كلها فاشلة. وكان لذلك أثر في حياته العاطفية. وقد نشرت عشيقته جويس ماينارد كتاباً بعنوان «في البيت .. في العالم»، تسرد فيه علاقتها بالكاتب عندما كانت في الـ 19 من عمرها وهو في الـ 50 من العمر ولكن ذلك الكتاب لم يؤثر على مجرى حياته.

كان سالنغر في روايته الوحيدة يدين بالكثير لسلفه الكبير مارك توين، على الرغم من اختلاف وجهات النظر بينهما، فالصبي هولدن يستعذب كل مظهر من مظاهر الحياة، ويبحث عن الصدق في النفوس، فلا يجد غير الخيبة في عالم نيويورك المظلم. وقد أصبح هذا البطل أنموذجاً لأجيال شابة عديدة، توارثت كلماته وعباراته الفلسفية التي تناثرت في عمله الأدبي.

ولعل ما زاد بتعلق الشباب به هو غموضه وابتعاده عن الأضواء مما أعطاه المزيد من الصدقية. وهكذا عاش سالنجر حتى وفاته في عالم الأسرار المغلق، والذي أراد الكثيرون اقتحامه بطفيلية شديدة، لكنه ظل محصناً بقوة فنه وابتكاراته.

ولعل نجاح روايته اليتيمة «الحارس في حقل الشوفان» جعل منه أسطورة حية بكل معنى الكلمة. وقبل أن ينسحب في نيو هامبشاير، وافق على إجراء حوار أخير معه على الرغم من كراهيته لعالم الصحافة كما لم ينجح الصحافيون في محاصرته أو الحصول على حوار معه.

ولم يلتقط له المصورون سوى بعض الصور على عجالة. وكان يمد يده لايقافها. ولعب صمته دوراً ايجابياً في دعم هذه العزلة الإرادية كما لو أنه كتب عمله الأدبي وأغلق الباب من ورائه.

وكان يرى أن عالم الأدب سري وغامض للغاية. وشاعت روايته إلى درجة أن فرقة موسيقية أخذت من اسمه عنواناً لألبومها. وكان يمنع المواقع الالكترونية التي ينفذها المعجبون به وعشاق أدبه.

وقد وصل به الحال إلى أنه دفع مبلغاً قدره 750 ألف دولار لناشره لكي لا يعيد نشر روايته ولكن ذلك لم يحصل إذ تطبع روايته سنوياً 250 ألف نسخة وتنفذ جميعها. ولم ينشر بعد ذلك سوى قصة قصيرة في عام 1965. وهناك شائعات عديدة دارت حوله، منها اعتناقه لبعض المعتقدات وممارسته اليوغا وغير ذلك. ولم يوافق أبداً على تحويل روايته إلى فيلم سينمائي.

في عام 1995 احترق منزله، ولا يعرف أحد فيما لو احترقت مخطوطاته غير المنشورة أو أنه بالفعل تخلى عن مهنة الكتابة مرة واحدة وإلى الأبد. كل تلك الوقائع تزيد من اهتمام القراء به ككاتب متميز ومتفرد في عالم يركض فيه الكتاب والأدباء نحو الشهرة.

دبي ـ شاكر نوري