قد ينظر إلى قرار اُُهٌم تحدي قوانين الرقابة الصينية على شبكة الإنترنت على أنه حادثة منفردة، شركة واحدة تنسحب من الصين لأسباب محددة. لا شك في أن الكثير من الشركات الأخرى تنظر إلى الأمر من هذا المنظور، آملة الاستمرار في تحقيق الأرباح في السوق الأسرع نموا في العالم. لكن قرار اُُهٌم يعكس في الحقيقة وجود ضغوط مهمة ومتنامية داخل الصين، تطول علاقاتها مع بقية العالم.

فقد ذكر إريك شميدت، المدير التنفيذي لشركة اُُهٌم الأسبوع الماضي أن «الصين تفرض قيودا فريدة على المعلومات». إنه البلد الكبير الوحيد الذي يتبع نظام رقابة رسميا معقدا على كل الشركات التي تعمل في مجال المعلوماتية أن تتقيد به. لهذا السبب، إذا طبعت كلمات «ساحة تيانانمين» أو «دالاي لاما» على موقع اُُهٌم في الصين (أو فيلِّ، وهو محرك البحث الرئيسي في البلد)، ستجد مواقع لا يسمح لك بالولوج إليها عموما.

وفي الوقت نفسه، تعمل الصين جاهدة على تطوير أهم منظومة معقدة مخصصة للتجسس الإلكتروني والهجمات الإلكترونية. لقد ازدادت عمليات التسلل الإلكترونية الصينية إلى حد كبير خلال السنوات القليلة الماضية، وهي لا تستهدف فقط منظمات حقوق الإنسان، بل أيضا.

والأهم من ذلك، الحكومات والمؤسسات التجارية الأجنبية. الكثير من هذه الهجمات، إن لم يكن معظمها، مصدرها الصين» وقد وصفها ويليام ستودمان المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية بأنها «أكبر مشكلة» تواجهها وكالات الأمن القومي الأميركية.

القوى العظمى تتجسس بعضها على بعض، لكن يبدو أن جهود الصين مكثفة بشكل غير معتاد، وهي جديدة أيضا. يقول مسؤولون أميركيون عملوا في جمهورية الصين الشعبية إنه قبل عقد فقط، لم يكونوا بحاجة إلى تفتيش السفارة الأميركية في بكين بحثا عن أجهزة تنصت لأن حكومة الصين لم تكن لتتجسس على أميركا بهذا الشكل الفاضح، خوفا من خسارة ماء الوجه إن اكتشف أمرها.

التغيير الأهم الذي قد يكون جاريا في بكين حاليا هو استخفافها المتزايد بعلاقتها مع واشنطن والغرب بشكل عام. خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، أدت استراتيجية التحديث في بكين إلى اعتماد سياسة خارجية بسيطة: وهي التودد إلى الغرب، لا سيما الأميركيين.

كانت الحكومة الصينية بحاجة إلى الولايات المتحدة كمصدر لرؤوس الأموال، وكسوق لصادراتها ومصدر للتكنولوجيا والخبرة وكحليف سياسي لتحقيق أهداف الصين، مثل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. بدءا من دينغ هسياوبينغ وصولا إلى جيانغ زمين، اتبع قادة الصين هذا المسار مبقين هذه الأهداف نصب أعينهم.

لكن على مر السنوات القليلة الماضية، شهدت الصين تغيرات، ويبدو أن الكثير من أفراد النخبة الحاكمة يعتقدون الآن أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الولايات المتحدة بقدر ما كانوا يحتاجون إليها في السابق. وإلا كيف يمكن تفسير تصرفات الصين تجاه المسؤولين ورجال الأعمال الأميركيين؟ في كوبنهاغن، أبدت الصين استخفافا غير مسبوق بالولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية.

خلال العقد الماضي، نمت السوق المحلية الصينية وأصبح حجم صادراتها إلى البلدان غير الغربية كبيرا جدا، وبات لديها فائض هائل من المال. كل هذا قد يجعل الصين أقل استعدادا لمراعاة وجهات النظر والشركات والحكومات الغربية.

يشير رجال الأعمال الغربيون إلى أن الحكومة الصينية تعترف الآن بصراحة برغبتها في تطوير المؤسسات المحلية ولن تمنح الشركات الغربية الحرية المطلقة في الولوج إلى السوق الصينية.

من هذه الناحية، الصين مختلفة عن بلدان صغيرة أخرى في شرق آسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، التي تحافظ على انفتاحها الخارجي رغم تقدمها. بسبب حجمها، تبدو الصين مهووسة بآليات العمل الداخلية وأقل اهتماما بالخارج فيما تستمر في ارتقاء السلم الاقتصادي. ونزعة الصين الثقافية إلى الأنانية ونظامها السياسي اللينيني يجعلها تشعر بالتهديد جراء بعض النزعات العالمية يجعلانها أكثر انغلاقا.

التغيير الحديث الآخر كان تجدد مركزية الدولة. يشير ياشينغ هوانغ، وهو باحث في معهد مساشوسيتس للتكنولوجيا (أم آي تي)، إلى أنه خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، كان القطاع الخاص الريفي المحرك الأساسي للنمو في الصين. لكن أخيرا، أصبح القطاع العام المديني هو المحرك.

هذا منح الدولة نفوذا أكبر في المجال الاقتصادي، وهي ظاهرة تسارعت وتيرتها خلال العام الماضي بعد إنفاق الصين نحو 3 .12 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي على خطة التحفيز المالي.

يبقى أن نرى إن كانت تصرفات بكين تجاه اُُهٌم أو غيرها من الشركات والدول الغربية وإدارة أوباما جزءا من هذه الاستراتيجية الجديدة. هناك أصوات في الصين، غالبا ما توصف ب«اليمين الجديد»، تدعو إلى اعتماد أسلوب أكثر قوة وعدائية. لكن من المرجح أيضا أن القيادة الصينية منقسمة ومترددة ومرتبكة.

قد تكون أفعالها نتيجة لتكتيكات معينة ولاقترافها بعض الأخطاء، وليس نتيجة لاستراتيجية محددة. (غالبا ما يكون هذا التفسير المنطقي فيما يتعلق بالحكومات. لكن من خارج الصين، نحن نخال هذه الفوضى مؤامرة).

إن بكين تواجه مجموعة جديدة من التحديات في الخارج كما في الداخل، ليس أقلها الصراع الوشيك على خلافة قيادة الحزب الشيوعي. فيما يعلو صوت الصين في مجالس العالم، سنلاحظ أنها تتكلم لغة مختلفة إلى حد كبير عن اللهجة الأنغلوأميركية. وهذا قد يقلق الكثير من البلدان وليس فقط الولايات المتحدة وبريطانيا.

فيما تدرس بلدان مثل الهند واليابان وأستراليا وإندونيسيا احتمال اعتماد العالم القيم الصينية التي ستحدد القوانين والإجراءات المتبعة في العلاقات الدولية، ستشعر بالانزعاج. إذا أرادت الصين أن تكون قوة عالمية حقا، فعليها أن تظهر أنها حريصة على الانفتاح وتتقبل تيارات الحداثة التي تنتشر في العالم.

وردة فعل بكين على خطوة اُُهٌم ستكون اختبارا جديا لرغبتها في أن تكون قائدة عالمية ولقدرتها على ذلك.