هاييتي، المعروفة بتسمية «لؤلؤة الأنتيل»، هي الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي قامت إثر ثورة للعبيد الذين كان البيض قد استقدموهم إليها، في ظل ما هو معروف بـ «تجارة العبيد». حصلت على استقلالها عام 1804، بعد أن فشل الأسطول الكبير الذي أرسله نابليون بونابرت في القضاء على ثورتها .

هاييتي هذه «لم توجد» بنظر الغرب، كما جاء في عنوان كتاب الفرنسي كريستوف وارنيي الذي كان قد عمل سنوات كمستشار لرئيس جمهورية هاييتي السابق القس جان برنار ارستيد. يرى المؤلف أن هاييتي قد عاشت مائتي عام من العزلة ، كإشارة واضحة إلى كتاب الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز. ويحدد المائتين عام ما بين 1804 وعام 2004 . كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. وكان عام 2004 قد شهد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب قبل أن يعيد المؤلف فيه النظر بعمق على ضوء المستجدات ليخرج في طبعته الجديدة عن دار اوترومون بـ 213 صفحة من القطع الكبير. لكن المؤلف لا يؤرّخ حصرا لهذه الفترة بل يعود إلى تاريخ هاييتي منذ القديم لفهم جذور المشاكل الراهنة مؤكّدا أن فهم واقع هاييتي اليوم يتطلّب بالضرورة العودة عدّة قرون إلى الوراء. ويشير إلى أن الأسبان كانوا قد وصلوا إلى الجزيرة عام 1492 في إطار رحلة الاكتشاف الشهيرة لكريستوف كولومب الذي أطلق عليها اسم «هسبانيولا».

كان الهمّ الأول للأسبان في الجزيرة هو البحث عن الذهب. وفي القرن السابع عشر خلف الفرنسيون الأسبان على استعمار الجزيرة وأطلقوا عليها تسمية «سان دومينغو». وقد اهتمّ الفرنسيون بالذهب وغيره من المعادن الثمينة وباستثمار ثروة البلاد من السكّر ومن خشب الأبنوس.وقد كانت هاييتي ـ سان دومينغو آنذاك ـ أغنى المستعمرات الفرنسية في العالم.

ويركز المؤلف على القول إن الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 كان لها آثار كبيرة على منطقة الأنتيل وخاصّة على «سان دومينغو» حيث بدأت اضطرابات اجتماعية أدّت في عام 1793 إلى إلغاء العبودية .وقام عندها الحاكم الجديد «توسان لوفيرتور» فرنسا بسياسة إصلاحات كبيرة وتمرّد على نابليون الذي نظّم حملة لعزله.

ولكن جيوش نابليون وأساطيله هُزمت وانتصر العبيد السابقون في تحقيق الحريّة ثم إعلان الاستقلال في الأول من شهر يناير عام 1804 . وتغيّر عندها اسم سان دومينغو إلى هاييتي التي كانت أوّل دولة في التاريخ قامت على خلفية إلغاء العبودية.ومنذ ذلك التاريخ قرر الغرب ،وخاصّة فرنسا ، أن هاييتي غير موجودة، كما جاء في عنوان الكتاب.

وبقي المجتمع الهاييتي قائما منذ ذلك الوقت وحتى اليوم على ثنائية حادّة بين الأغنياء جدا والفقراء جدا . وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن المنتصرين في الحرب ضد نابليون من العبيد شكّلوا طبقة لها امتيازاتها وظلّوا يعتبرون 95 بالمائة من الهاييتين حتى أواسط القرن العشرين ك«مواطنين من الدرجة الثانية».

ومنذ بدايات فترة الاستقلال عرفت هاييتي نظاما دكتاتوريا برئاسة الحاكم الجديد ديسالين الذي دشّن فترة مضطربة كانت مقدّمة لفترة عزلة طويلة .

وهذا ما يشرحه المؤلف في القسم الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «الاستقلال المصادَر». ودخلت هاييتي آنذاك في نزاع مسلّح مع جمهورية الدومينيكان القريبة. كذلك عرفت سلسلة طويلة من الانقلابات الدموية مما أدّى إلى زيادة درجة فقرها دون أن يولي حاكموها إيّة أهمية لتنميتها. وكانت النتيجة لذلك هي ضعف السلطة ونشوب العديد من حركات التمرّد .

ولم يتردد المدعو فوستين سولوك الذي انتخبوه رئيسا للجمهورية عام 1844 في تحويل هاييتي من جمهورية إلى إمبراطورية ليصبح هو نفسه «فوستين الأول». بالتوازي تحوّلت «لؤلؤة الأنتيل»، كما يقول المؤلف إلى «اللؤلؤة» المحطّمة .

واستمرّ التردي الكبير في التعاظم حتى بداية القرن العشرين حيث كانت البلاد في حالة شبه تمرّد مستمرّة مما دفع إلى غزو الجزيرة من قبل قوّات الرئيس ويلسون عام 1915 واستمرّ الاحتلال الأميركي حتى عام 1934 .

ومع انسحاب الأميركيين عادت حالة عدم الاستقرار من جديد إلى الجزيرة ولم تنته حتى عام 1957 مع وصول دكتاتورية أسرة دوفالييه التي استمرّ حكمها حتى عام 1986 و«تركت على البلاد بصماتها التخريبية» بحيث انها لم تنهض أبدا خلال عهدها. وهذه الفترة يشرحها المؤلف بالتفصيل في القسم الثاني من الكتاب.

أمّا القسم الثالث والأخير من الكتاب فيحمل عنوان «ما وراء الجبل، جبل آخر» ويخص بشكل أساسي الفترة التي كان فيها المؤلف خلال سنوات مستشارا للرئيس الهاييتي السابق جان برتران ارستيد والذي عمل إلى جانبه منذ أن كان في منفاه بواشنطن عندما كان يمثّل أملا بالنسبة للشعب الهاييتي ويجسّد التطلعات الشعبية إلى العدالة والتغيير الاجتماعي .

وكان ارستيد قد وعد من موقع «القس الثوري» أن يؤمّن لكل مواطن هاييتي وجبة طعام يومية والمساواة بين الجميع . ولكن السلطة جعلته ينسى وعوده كلّها . وقد تردد عدّة مرّات على المنصب الرئاسي كان آخرها عام 2000 .

حيث أبدى نزعة أكثر تسلّطا واضطر للرحيل عنوة عن البلاد في شهر فبراير من عام 2004 تحت الضغط الشعبي والضغط الدولي، خاصّة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا.لقد خلفه الرئيس رونيه بريفال وأُعيد انتخابه في عام 2006 الموصوف أنه رجل «بسيط وشريف» والذي يصف نفسه أنه «رئيس انتقالي».

فترة ارستيد قادت هاييتي، كما يرى المؤلف، من «أحلام الاستقلال للمرّة الثانية» إلى «ثورة مجهضة».ودفعت البلاد أكثر فأكثر نحو حالة قصوى من التردّي بحيث انها أصبحت أحد أكثر بلدان العالم فقرا على مستوى بلدان الساحل الإفريقي.وهذا ما يصفه المؤلف ب«الانحراف» و«الغرق الجماعي». يقول المؤلف: لقد أردت أن أفهم كيف تحوّلت الوعود خلال عدّة سنوات فقط إلى طريق مسدود بل إلى كابوس.

ومن الملاحظ أن المؤلف يحمّل مسؤولية كبيرة للرئيس ارستيد ولكنه يؤكّد بالوقت نفسه على تعقيد العوامل التي أعاقت باستمرار تنمية هاييتي وفي مقدمتها ثقافة غياب العقاب وغياب سلطة القانون والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة ومحاولتها فرض نموذج اقتصادي لبرالي جديد والمشاكل الاقتصادية الكبرى ومشاكل البيئة ووجود نخب فاسدة وسلسلة من الأعاصير المتكررة كل سنة.(لم يكن الزلزال الأخير قد حدث عند نشر الكتاب).

ويبدو أن «هاييتي غير موجودة» بالنسبة للغرب إلاّ إذا كانت هناك أزمة كبيرة أو كارثة، هذا ما يريد المؤلف قوله. كتاب فرنسي لمستشار رئيس الدولة المنكوبة يضعها تحت المجهر.

هاييتي «لؤلؤة الأنتيل» اختفت

هاييتي، المعروفة بتسمية «لؤلؤة الأنتيل»، هي الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي قامت إثر ثورة للعبيد الذين كان البيض قد استقدموهم إليها، في ظل ما هو معروف بـ «تجارة العبيد». حصلت على استقلالها عام 1804، بعد أن فشل الأسطول الكبير الذي أرسله نابليون بونابرت في القضاء على ثورتها . هاييتي هذه «لم توجد» بنظر الغرب، كما جاء في عنوان كتاب الفرنسي كريستوف وارنيي الذي كان قد عمل سنوات كمستشار لرئيس جمهورية هاييتي السابق القس جان برنار ارستيد.

يرى المؤلف أن هاييتي قد عاشت مائتي عام من العزلة ، كإشارة واضحة إلى كتاب الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز. ويحدد المائتين عام ما بين 1804 وعام 2004 كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. وكان عام 2004 قد شهد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب قبل أن يعيد المؤلف فيه النظر بعمق على ضوء المستجدات ليخرج في طبعته الجديدة عن دار اوترومون بـ 213 صفحة من القطع الكبير.

لكن المؤلف لا يؤرّخ حصرا لهذه الفترة بل يعود إلى تاريخ هاييتي منذ القديم لفهم جذور المشاكل الراهنة مؤكّدا أن فهم واقع هاييتي اليوم يتطلّب بالضرورة العودة عدّة قرون إلى الوراء. ويشير إلى أن الأسبان كانوا قد وصلوا إلى الجزيرة عام 1492 في إطار رحلة الاكتشاف الشهيرة لكريستوف كولومب الذي أطلق عليها اسم «هسبانيولا».

كان الهمّ الأول للأسبان في الجزيرة هو البحث عن الذهب. وفي القرن السابع عشر خلف الفرنسيون الأسبان على استعمار الجزيرة وأطلقوا عليها تسمية «سان دومينغو». وقد اهتمّ الفرنسيون بالذهب وغيره من المعادن الثمينة وباستثمار ثروة البلاد من السكّر ومن خشب الأبنوس.وقد كانت هاييتي ـ سان دومينغو آنذاك ـ أغنى المستعمرات الفرنسية في العالم.

ويركز المؤلف على القول إن الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 كان لها آثار كبيرة على منطقة الأنتيل وخاصّة على «سان دومينغو» حيث بدأت اضطرابات اجتماعية أدّت في عام 1793 إلى إلغاء العبودية .وقام عندها الحاكم الجديد «توسان لوفيرتور» فرنسا بسياسة إصلاحات كبيرة وتمرّد على نابليون الذي نظّم حملة لعزله.

ولكن جيوش نابليون وأساطيله هُزمت وانتصر العبيد السابقون في تحقيق الحريّة ثم إعلان الاستقلال في الأول من شهر يناير عام 1804 . وتغيّر عندها اسم سان دومينغو إلى هاييتي التي كانت أوّل دولة في التاريخ قامت على خلفية إلغاء العبودية.ومنذ ذلك التاريخ قرر الغرب ،وخاصّة فرنسا ، أن هاييتي غير موجودة، كما جاء في عنوان الكتاب.

وبقي المجتمع الهاييتي قائما منذ ذلك الوقت وحتى اليوم على ثنائية حادّة بين الأغنياء جدا والفقراء جدا . وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن المنتصرين في الحرب ضد نابليون من العبيد شكّلوا طبقة لها امتيازاتها وظلّوا يعتبرون 95 بالمائة من الهاييتين حتى أواسط القرن العشرين ك«مواطنين من الدرجة الثانية».

ومنذ بدايات فترة الاستقلال عرفت هاييتي نظاما دكتاتوريا برئاسة الحاكم الجديد ديسالين الذي دشّن فترة مضطربة كانت مقدّمة لفترة عزلة طويلة . وهذا ما يشرحه المؤلف في القسم الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «الاستقلال المصادَر». ودخلت هاييتي آنذاك في نزاع مسلّح مع جمهورية الدومينيكان القريبة. كذلك عرفت سلسلة طويلة من الانقلابات الدموية مما أدّى إلى زيادة درجة فقرها دون أن يولي حاكموها إيّة أهمية لتنميتها. وكانت النتيجة لذلك هي ضعف السلطة ونشوب العديد من حركات التمرّد .

ولم يتردد المدعو فوستين سولوك الذي انتخبوه رئيسا للجمهورية عام 1844 في تحويل هاييتي من جمهورية إلى إمبراطورية ليصبح هو نفسه «فوستين الأول». بالتوازي تحوّلت «لؤلؤة الأنتيل»، كما يقول المؤلف إلى «اللؤلؤة» المحطّمة . واستمرّ التردي الكبير في التعاظم حتى بداية القرن العشرين حيث كانت البلاد في حالة شبه تمرّد مستمرّة مما دفع إلى غزو الجزيرة من قبل قوّات الرئيس ويلسون عام 1915 واستمرّ الاحتلال الأميركي حتى عام 1934 .

ومع انسحاب الأميركيين عادت حالة عدم الاستقرار من جديد إلى الجزيرة ولم تنته حتى عام 1957 مع وصول دكتاتورية أسرة دوفالييه التي استمرّ حكمها حتى عام 1986 و«تركت على البلاد بصماتها التخريبية» بحيث انها لم تنهض أبدا خلال عهدها. وهذه الفترة يشرحها المؤلف بالتفصيل في القسم الثاني من الكتاب.

أمّا القسم الثالث والأخير من الكتاب فيحمل عنوان «ما وراء الجبل، جبل آخر» ويخص بشكل أساسي الفترة التي كان فيها المؤلف خلال سنوات مستشارا للرئيس الهاييتي السابق جان برتران ارستيد والذي عمل إلى جانبه منذ أن كان في منفاه بواشنطن عندما كان يمثّل أملا بالنسبة للشعب الهاييتي ويجسّد التطلعات الشعبية إلى العدالة والتغيير الاجتماعي .

وكان ارستيد قد وعد من موقع «القس الثوري» أن يؤمّن لكل مواطن هاييتي وجبة طعام يومية والمساواة بين الجميع . ولكن السلطة جعلته ينسى وعوده كلّها . وقد تردد عدّة مرّات على المنصب الرئاسي كان آخرها عام 2000 حيث أبدى نزعة أكثر تسلّطا واضطر للرحيل عنوة عن البلاد في شهر فبراير من عام 2004 تحت الضغط الشعبي والضغط الدولي، خاصّة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا.لقد خلفه الرئيس رونيه بريفال وأُعيد انتخابه في عام 2006 الموصوف أنه رجل «بسيط وشريف» والذي يصف نفسه أنه «رئيس انتقالي».

فترة ارستيد قادت هاييتي، كما يرى المؤلف، من «أحلام الاستقلال للمرّة الثانية» إلى «ثورة مجهضة».ودفعت البلاد أكثر فأكثر نحو حالة قصوى من التردّي بحيث انها أصبحت أحد أكثر بلدان العالم فقرا على مستوى بلدان الساحل الإفريقي.وهذا ما يصفه المؤلف ب«الانحراف» و«الغرق الجماعي». يقول المؤلف: لقد أردت أن أفهم كيف تحوّلت الوعود خلال عدّة سنوات فقط إلى طريق مسدود بل إلى كابوس.

ومن الملاحظ أن المؤلف يحمّل مسؤولية كبيرة للرئيس ارستيد ولكنه يؤكّد بالوقت نفسه على تعقيد العوامل التي أعاقت باستمرار تنمية هاييتي وفي مقدمتها ثقافة غياب العقاب وغياب سلطة القانون والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة ومحاولتها فرض نموذج اقتصادي لبرالي جديد والمشاكل الاقتصادية الكبرى ومشاكل البيئة ووجود نخب فاسدة وسلسلة من الأعاصير المتكررة كل سنة.(لم يكن الزلزال الأخير قد حدث عند نشر الكتاب).

ويبدو أن «هاييتي غير موجودة» بالنسبة للغرب إلاّ إذا كانت هناك أزمة كبيرة أو كارثة، هذا ما يريد المؤلف قوله.

المؤلف في سطور

عمل كريستوف وارنيي، مؤلف هذا الكتاب، مستشارا للرئيس الهاييتي السابق جان برنار ارستيد خلال سنوات 1993 ـ 1996، يعمل الآن أستاذا محاضرا في المرصد الوطني الفرنسي للفنون والمهن.

كتب العديد من النصوص عن هاييتي وهذا الكتاب هو ثمرتها وثمرة تجربة المؤلف.

لحظة استثنائية

يعتبر المؤلف أن استقلال هاييتي يعد أحد المنعطفات الجوهرية في تاريخها ذلك أنه يمثل «لحظة فريدة مطلقة» في تاريخ البلاد ولكنه أيضا «لحظة استثنائية» في التاريخ الإنساني كلّه حيث أعلن قيام أوّل جمهورية «سوداء» في هذا التاريخ. ولكن ما يؤكّده المؤلف هو أن المجتمع الهاييتي لم يستفد من تلك اللحظة بل تردّت أوضاعه وغرق في الفوضى.

باريس- محمد مخلوف