اختتمت الليلة قبل الماضية،الندوة التخصصية عن الشاعر والعالم اللغوي (أبو بكر بن دريد الأزدي)، التي نظمتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي، وشارك فيها نخبة من كتاب الإمارات والوطن العربي. وتم تناول حياة وشعر الأزدي عبر مجموعة أوراق عمل جرى تداولها خلال الندوة التي استمرت يومي 27 و 28 يناير الجاري.
وستقوم مؤسسة سلطان بن علي العويس بإصدار أبحاث الندوة في كتاب توثيقي خلال أيام، ليكون في متناول القراء والباحثين. أدارت الجلسة الأولى أول من أمس الكاتبة والشاعرة الإماراتية باسمة يونس، وقدم الورقة الأولى يوسف نوفل (من مصر) بعنوان (ابن دريد شاعراً).
حيث أشار الباحث إلى أن ابن دريد طرق أبواب القص الشعري، واستحضر الاعلام التارخية مثل سيف بن ذي يزن وآخرون، وبرع في التقنيات الفنية في عصره، وصاغ كل خبرته في عمل قصصي أو مطولات شعرية، خاصة في (المقصورة)، التي تعتبر بحق تجربة شعرية وصفحة من صفحات السيرة الذاتية، وهو ما يطلق عليه اليوم (رؤية العالم)، كما جاء على لسان الباحث.
وواصل الباحث مؤكداً على أن كل أديب له رؤية خاصة إلى العالم. ورؤية ابن دريد كانت تمزج بين الخاص والعام، وبين القديم والحديث، وبين ما هو شخصي وما هو موضوعي، كما مزج بين الفخر الفردي والفخر الجماعي. وهو ما يطلق عليه أدب الأخلاق أو الأدب السياسي، مؤكداً على أن ابن دريد أصبح حكماً للشعراء لمنزلته الشعرية، ومكانته العلمية واللغوية اللامعة.
وقدم سمر روحي الفيصل(من سوريا) بحثاً بعنوان (ابن دريد الأزدي الأديب اللغوي)، قرأه بالنيابة عنه الشاعر السوري حسين درويش أكد على أن ابن دريد تميز بمصورته وديوانه، وهما الشيئان الباقيان من شعره. وأشار إلى اهتمام المعاصرين بهما أمثال مصطفى السنوسي وأحمد درويش وأحمد عبد الغفور العطار. واستعرض درويش شروحات هؤلاء النقاد ومقاراناتهم، كما تناول الصفة الثانية في ابداعه الرواية حيث روى الأشعار والأخبار واللغة مثل النباتات وفحولة الشعراء ومعاني الشعر والقصيدة اليتيمة.
ومن ثم تطرق درويش إلى ابن دريد اللغوي الذي جدد في عمله اللغوي. وتميز في (الجمهرة) بصياغة معجمية متميزة، تنزع نحو التجديد، وهو المفتاح لفهم شخصيته لأنه دليل على اختراق السائد. لكن درويش أشار أخيراً إلى أن التجديد في عمله اللغوي، لم يحظ على اعتراف معاصريه.
أما الجلسلة الثانية، فقد أدارتها الدكتورة فاطمة الصائغ، وبدأت ببحث قدمه جليل العريضي من البحرين، وعنوانه (جولة في جوانب من تراث ابن دريد الأزدي)، حيث قال: (ما يؤسف له أننا لم نقرأ ابن دريد قراءة ممتعة، ولعل أول كتاب اشتهر به ابن دريد هو (الجمهرة)، وهو إعادة صياغة لكتاب (العين) للخليل. ولكنه أضاف له الترتيب حسب الحروف الهجائية، وهو الخطوة الأولى في ترتيب المعاجم.
وهو أيضاً دائرة معارف، يحتوي اللغة والدخيل على الغة وتلفظ القبائل لحروف. وكيف يلفظ الأعجمي الحرف العربي. وقد استفاد ابن دريد من رحلته إلى عُمان، وكانت آنذاك ملتقى الحضارات، عاش فيها 12 عاماً. وتشهد الموضوعات أنه كان أميناً في نقله.
وكان كتابه (الملاحم) في خدمة المضطهدين. أما الباحث والشاعر أحمد محمد عبيد من الامارات، فقدم بحثاً بعنوان (الحروف غير المستحسنة عن ابن دريد ـ ورقة ثانية) ركز فيها على تلفظ الحروف العربية كما جاءت على الشكل التالي (الباء الفارسية) و(الجيم الشامية) و(الجيم القاهرية) و(القاف المعقوة) و(الكشكشة)، وهي ما زالت قائمة لحد الآن عند القبائل العربية في أطراف العالم العربي.
واختتمت الندوة اعمالها بالنقاش الساخن حول ابن دريد الإنسان، الشاعر الإشكالي، والخارج عن المألوف، الذي كرس حياته للابداع دون غيره، ويستحق الدراسة والاستزادة منه في إضاءة تراثنا العربي.
دبي ـ شاكر نوري
