قبل حوالي أربعة أعوام فقدت أماندا كيتس ذراعها في حادث سيارة، لكنها الآن تستخدم ذراعاً روبوتية بديلة تنطوي على ثورة حقيقية في علم حديث النشأة يسمى «البيونيات»، ويعنى بدراسة الأنظمة الميكانيكية المصممة لتعمل كالكائنات الحية أو كأجزاء من الكائنات الحية. تكتسي ذراع كيتس الروبوتية بطبقة خارجية بلاستيكية لها لون بشرة الإنسان، وتبرز منها أصابع غائرة قليلاً إلى الداخل. وتحت هذه البشرة البلاستيكية، هناك ثلاثة محركات وإطار معدني وشبكة من الإلكترونيات المتطورة. تتصل الذراع الآلية في نهايتها بحلقة أسطوانية بلاستيكية بيضاء تحيط بالجدعة المتبقية من ذراع كيتس المبتورة.

لكن هذه الجدعة ليست كل ما تبقى من الذراع. فداخل دماغ كيتس، دون مستوى الوعي، هناك صورة كاملة سليمة لتلك الذراع، أشبه بطيف ذراع وهمية. وعندما تفكر كيتس بفتح أو ضم مرفقها، يتحرك ذلك الطيف. ويتم التقاط النبضات العصبية النازلة من دماغها من قبل الحساسات الكهربائية الموجودة في الحلقة البيضاء ليتم تحويلها بعد ذلك إلى إشارات تدفع عجلة المحركات، لتحني المرفق الاصطناعي. وهكذا تحرك كيتس الذراع الآلية وكأنها ذراعها.

«لا أفكر كيف تتم العملية. كل أفعله أنني أحرك ذراعي الروبويتة فتتحرك»، تقول كيتس، 40 عاماً، التي تستخدم هذا الموديل القياسي وموديل آخر تجريبي يمنحها حتى المزيد من التحكم.: «بعد الحادث الذي تعرضت له، شعرت بالضياع، ولم أفهم لماذا شاءت الأقدار أن تنزل بي هذه المصيبة. لكن هذه الأيام، أشعر بالإثارة والحماس طوال الوقت، لأنهم يواصلون تحسين الذراع. ويوماً ما، سيكون بوسعي تلمس الأشياء والتصفيق على إيقاع الأغاني التي ينشدها الأولاد في دار الحضانة التي أديرها».

وتجسد كيتس مثالاً حياً على أنه حتى عندما يتلف أو يذهب اللحم والعظم في عضو ما من الجسم، تبقى الأعصاب والأجزاء الدماغية التي كانت في يوم من الأيام تتحكم بحركة ذلك العضو المفقود. وفي كثير من المرضى، تبقى تلك الأجزاء منتظرة استئناف الاتصال، وكأنها خطوط هاتف متدلية مقطوعة عن جهاز الهاتف. والآن باستخدام أقطاب كهربائية مجهرية ومهارات جراحية مذهلة، بدأ الأطباء بتوصيل تلك الأجزاء العصبية لدى بعض المرضى بأجهزة مثل الكاميرات والميكروفونات والمحركات الصغيرة. وكنتيجة لذلك التطور، أبصر الأعمى وسمع الأصم واستطاعت كيتس طي ملابسها لوحدها بمساعدة بذراعها الآلية.

كيتس ليست سوى واحدة من طيف عريض من المرضى الذين يتم تعويضهم عن أعضائهم المبتورة أو التالفة بأجهزة توصل بأنظمتهم العصبية تستجيب للأوامر الواردة من أدمغتهم مباشرة. وتسمى الأجهزة التي يستخدمها هؤلاء أعضاء صناعية عصبية أو «بيونيات»، وهو المصطلح الذي ابتدعه كتاب الخيال العلمي منذ زمن وأصبح يروق لعلماء اليوم استخدامه. إريك شريمب، الذي يعاني من الشلل الرباعي منذ ان تهشمت رقبته في حادث غطس في 1992، الآن لديه جهاز إلكتروني مزروع تحت بشره يتيح له تحريك أصابعه للإمساك بالشوكة أو الملعقة. جو آن لويس، امرأة مكفوفة، تستطيع الآن رؤية أشكال الأشجار بمساعدة كاميرا بالغة الصغر تتواصل مع عصبها البصري مباشرة. وتامي كيني تستطيع التحدث مع ابنها الذي لم يكمل عامه الثاني، وهو يستطيع ان يرد عليها، لأن الطفل المولود أصماً، لديه الآن 22 حساساً كهربائياً داخل أذنه تقوم بتحويل الأصوات التي يلتقطها مايكروفون خاص إلى إشارات يستطيع جهازه العصبي فهمها.

لكن هذا العمل كله عبارة عن سلسلة شديدة الدقة من المحاولات المليئة بالعديد من الأخطاء. ففي حين اكتشف العلماء إمكانية توصيل الآلة بالعقل البشري، فهم اكتشفوا أيضا مدى صعوبة المحافظة على تلك الوصلة. فعلى سبيل المثال، إذا تحركت الحلقة البلاسيتكية التي تحيط بأعلى ذراع كيتس ولو قليلاً، فقد لا تستطيع ضم أصابعها. ومع ذلك، فإن البيونيات تمثل قفزة عملاقة إلى الأمام، إذ تمكن الباحثين من أن يعيدوا للمرضى جزءاً مما فقدوا، على نحو لم يكن متصوراً خارج حدود عالم الخيال العلمي.

الترميم

يقول جوزيف بانكرازيو، مدير برنامج الهندسة العصبية في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية في الولايات المتحدة: «كل هذه الأبحاث والدراسات تتمحور بكل بساطة حول الترميم. وتعريفي الخاص للنجاح في هذا السياق هو أن يجلس شخص يعاني من إصابة في النخاع الشوكي في مطعم ويستطيع تناول طعامه لوحده دون أن يلفت انتباه أحد إلى إعاقته السابقة»