يتوقف الكثيرون من رواد مكتبة الكونغرس الأميركي، بمزيد من الدهشة التي تصل حد الذهول، حيال خريطة صينية نادرة، تعرف بالخريطة - الكنز، تعرض حاليا في المكتبة، في إطار حدث فريد من نوعه، حيث تعود هذه الخريطة إلى عام 1602، وتعد من أولى الخرائط الصينية النادرة، التي تجمع بين إنجازات علم الخرائط في الشرق والغرب، وتتميز بدقتها البالغة في إيضاح معالم العالم، كما تصوره العلماء قبل أربعة قرون.

وهذه الخريطة أنجزها ماتيو ريتشي، وهو مبشر جزويتي إيطالي، يعد أحد أوائل الغربيين الذين أقاموا في بكين الحالية، في صدر القرن السابع عشر، وقد اشتهر بإدخاله العلوم الغربية إلى الصين، حيث تمكن من انجاز هذه الخريطة في عام 1602، بناء على طلب من الإمبراطور الصيني وانلي.

وهذه هي المرة الأولى التي تعرض فيها الخريطة ؟ الكنز في أميركا الشمالية، وتوضح بتفصيل بالغ الدقة تصورا لأقاليم العالم المختلفة. وتبدو أفريقيا في الخريطة باعتبارها تضم أعلى جبال العالم وأطول أنهاره، بينما يشار إلى فلوريدا باعتبارها «أرض الزهور»، ويأتي وصف لأميركا الشمالية على ذكر «الثور الأحدب» والخيول البرية، بل إن هناك إشارة إلى منطقة غامضة تدعى «كانتا».

ويقدم ريتشي، الذي حظي بالتقدير في الصين ودفن في جنازة مهيبة لدى وفاته هناك، وصفا موجزا لاكتشاف الأميركيتين، حيث كتب يقول: «في الأيام الخوالي لم يكن أحد يعرف أماكن مثل أميركا الشمالية والجنوبية وماجلانيكا» وهي الأسماء التي كان القائمون برسم الخرائط في ذلك العهد يطلقونها على أستراليا والقارة القطبية، ويتابع: «ولكن قبل قرن من الزمان جاء الأوروبيون مبحرين في سفنهم إلى أجزاء من ساحل البحر، وهكذا اكتشفوها».

وتشمل الخريطة، التي تبرز الصين باعتبارها قلب العالم، مناطق مثل «واتيمالا» وهي تشير بوضوح إلى غواتيمالا الحالية، وكذلك «تشيه- لي»، اي تشيلي، وأيضا «يو-هو تانج»، أي يوكاتان.

ويبلغ عرض الخريطة ؟ الكنز 6,3 أمتار، وهي بارتفاع 5,1 متر، ومنفذة على ست لفافات من ورق الأرز الرقيق، وقد اكتسبت هالة من التألق والتوقير لدى علماء الخرائط والباحثين في أسرارها، وحملت لقب «خارطة زهرة الخزامى السوداء المستحيلة» في إشارة إلى الصعوبة البالغة التي اكتنفت اكتشافها.

وبالنسبة لمن يصعب عليهم الانطلاق لمشاهدة الخريطة بأنفسهم في مكتبة الكونغرس، فسوف تتاح لهم فرصة مشاهدتها، حيث تعتزم المكتبة القيام بتصويرها وإدراجها ضمن الوثائق النادرة للمكتبة الرقمية.

وقد ظلت الخريطة، على امتداد سنوات طويلة، ضمن مجموعة أحد هواة المجموعات الفنية في اليابان، وشقت طريقها إلى الولايات المتحدة عبر لندن، حيث تم شراؤها من بائع الكتب الشهير برنارد شابيرو، مقابل مليون دولار، من قبل القائمين على صندوق جيمس فورد بيل، في أكتوبر الماضي.

ويقول فورد بيل، أحد أعضاء مجلس محافظي الصندوق وحفيد مؤسس الصندوق جنرال ميلز، عن الخريطة إنها تعد: «أحد أهم إنجازات علم الخرائط على الإطلاق، وهي تجمع بين أفضل ما في العلوم والرياضيات والجغرافيا في الغرب في وقت إنجازها، لتوضح مواقع الصين ونصف الكرة الغربي والقارات الخمسة في أماكنها الدقيقة».

وتعتزم مكتبة الكونغرس عرض خريطة ريتشي جنبا إلى جنب مع خريطة أخرى، تعد أحد أندر خرائط العالم، وهي خريطة فالدسمولر، التي اشترتها المكتب في عام 2003 لقاء 10 ملايين دولار.