لم تكن العلاقة حميمة أو صحية، في الغالب، بين الساسة وأهل السلطة من ناحية، وبين المعرفة وأهلها في منطقتنا العربية، عبر تاريخها الطويل. بل إن البعض من أهل السلطة والسياسة (بمعناها السلطوي، أو التسلطي)، ينظر إلى المعرفة والثقافة عموما نظرة شك وريبة، وربما نظرة دونية أحيانا، وقد تصبح عدائية في كثير من الأحيان!
علي ناصر محمد، الذي تولى رئاسة «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» في الشطر الجنوبي من اليمن قبل الوحدة، يبدو أنه اختار أن يعطي لحياته السياسية نكهة مختلفة ذات طابع معرفي، وأن يخرج على تلك النظرة النمطية المريضة، منذ أن ترك السلطة بعد أحداث دامية بين «رفاق الحكم» في الجنوب عام 1986، وخاصة بعد أن اتخذ من العاصمة السورية مستقرا له عام 1990.
فقد أسس في دمشق سنة 1995 «المركز العربي للدراسات الاستراتيجية»، بهدف «القيام بدراسات ذات طابع استراتيجي، لتساعد الباحثين والمهتمين والمثقفين، ولتساهم في إشاعة ثقافة عامة على امتداد الوطن العربي، تستند إلى دراسات موضوعية وواقعية، وكذلك لتساعد أصحاب القرار من المسؤولين العرب على توضيح بعض جوانب القضايا التي تأخذ طابعا استراتيجيا مستقبليا».
ورغم أن المركز لم يجد الطريق أمامه مفروشا بالورود، ولا ممهدا في بعض الحالات، إلا أنه استطاع أن يفتتح فروعا في اليمن والقاهرة وفي رأس الخيمة. كما أصدر مجلة «قضايا استراتيجية» التي استمرت عدة سنوات، قبل أن يتوقف صدورها لإعادة النظر في إصدارها بشكل أفضل وأكثر تطورا. وتمكن المركز خلال السنوات الماضية من إكمال مشروعه الثقافي حول الأحزاب والحركات العربية، الذي يشتمل على أربعة أجزاء، يتناول أولها الحركات والأحزاب الإسلامية، والثاني الأحزاب والحركات القومية، بينما خصص الثالث للأحزاب والحركات اليسارية العربية، والجزء الأخير عن باقي الأحزاب والحركات التي لا تندرج ضمن العناوين والمسميات السابقة.
يرى علي ناصر أن على المثقف دورا كبيرا، خاصة في هذه المرحلة، فـ «هو الذي يقدم للمجتمع وللشعب بكل فئاته، وجهات نظر تنير له الطريق»، لكن ذلك يتطلب أن يتاح للمثقفين «أن يعطوا ما لديهم ويستشرفوا المستقبل».
يفضل الابتعاد عن الشأن السياسي اليومي، إلا أنه يحرص على متابعة وقائع المشهد السياسي اليمني بعيدا عن دعاة الانفصال، رافعا شعار «التغيير لا التشطير»، ومطالبا بأن يكون حل الأزمات السياسية في اليمن «تحت سقف الوحدة»، ومن خلال الحوار الجاد والمسؤول الذي لا يستثني طرفا، معتبرا أنه «في القضايا الوطنية لا مجال للمبالغة والمكايدة».
ولد علي ناصر محمد في محافظة أبين، في الجنوب اليمني، عام 1939، وبدأ حياته العملية مدرسا بعد تخرجه من دار المعلمين، وانضم إلى صفوف «الجبهة القومية» مشاركاً في الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني عام 1964، والتحق بمدرسة الصاعقة في أنشاص، في مصر، وأصبح عضوا في المكتب العسكري للجبهة. بعد الاستقلال تقلد مناصب وزارية عديدة في الشطر الجنوبي، قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية (19801986).
متزوج من المهندسة المعمارية السورية ريم عبد الغني، المتخصصة في التراث المعماري اليمني، والتي تعتبر أن العمارة اليمنية «تنفرد بتميزها عن سائر مدارس العمارة في العالم».
عبدالله إسحاق
