لا تزال قلوبهم صغيرة، ولا يزال أمامها وقت طويل لتكبر، ولكن في المقابل تمكنت أقلامهم من التمرد على الواقع لتكبر بسرعة وتخرج عن أصابعهم الصغيرة لتنبت حروفاً وكلمات رغم بساطتها إلا أنها تبقى صادرة من قلوب صادقة لم تعرف «اللف والدوران» بعد.

كلماتهم لم تتعد القصص الصغيرة التي اعتدنا قراءتها عندما كنا صغارا مثلهم، وبحسب نظريتنا قد نعتبرها مجرد محاولات أدبية بسيطة، ولكنها بلا شك تفضي إلى موهبة جميلة يمكن تطويرها بالاجتهاد والمواصلة ليتمكن هؤلاء من الوصول إلى ما يطمحون إليه مستقبلا، وليتحولوا إلى أدباء صغار، ولا أدري إن كان هؤلاء مرشحون للإصابة «بفيروس» الكتابة مستقبلا أم لا كما حدث لكثير من الأدباء والشعراء والكتاب، الذين تربوا هم أيضا على الكلمة وتطويع الحروف منذ صغرهم.

وراثة الموهبة... البداية كانت مع مريم عبيد النابوده، الطالبة في الصف التاسع، والتي قالت: « ورثت هذه الموهبة عن والدتي التي اعتادت على كتابة الشعر والقصص، ففي كل مرة كنت أراها تكتب كنت أحاول تقليدها، وهو ما نمّى هذه الموهبة لدي والتي جعلتني أقبل على القراءة بنهم حتى أتعلم أكثر عن طرق الكتابة المختلفة، وفي بداياتي كنت أحاول تقليد أسلوب الكتاب الكبار في رواياتهم، ولكن بأسلوبي الخاص الذي تمكنت من تطويره فيما بعد». مريم النابودة الفائزة بجائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز ـ فئة الطالب المتميز، دأبت على كتابة القصص القصيرة منذ بلوغها عمر التاسعة ولديها رصيد كبير منها، وتقول إنها عادة ما تتناول المشكلات الاجتماعية التي تحدث في مجتمعها أو حتى المجتمعات العربية الأخرى، وكذلك تحاول دائما أن تتطرق إلى أمور تتعلق بالأسرة والأطفال المعاقين، ولعل أكثر ما استفزها هو معاناة الطفل الفلسطيني الذي كان له نصيب كبير في قصصها. تقول مريم: «علمتني تجربتي الصغيرة أنه يجب أن تكون المقدمة من أكثر أجزاء القصة تشويقا، لأنها الأكثر جذبا للقراء، ولذلك اعتدت على عرض ما أكتب على والدتي تحديدا والتي دأبت على وضع ملاحظاتها على قصصي، وهو الأمر الذي أفادني كثيرا لدرجة أنني أصبحت أتذكر ملاحظاتها قبل أن ابدأ بكتابة أية قصة». م تعد مريم التي تطمح لأن تصبح طبيبة في كبرها تقرأ قصص الأطفال، فقد تحولت عنها إلى الروايات الكبيرة خاصة المترجمة منها، وذلك لأنها تحمل في طياتها الكثير من عناصر التشويق، ويساعدها على تطوير أسلوبها في الكتابة، خاصة وأن معايشتها للواقع يعد أكبر جاذب لها لممارسة الكتابة.

تسجيل المشاهدات... لم تكن مريم راشد الرضه، وهي طالبة في صف التاسع أقل حظا وموهبة من رفيقتها مريم، فهي الأخرى تمتلك رصيدا من القصص القصيرة الموجهة للأطفال، وحول تجربتها قالت مريم الرضه: «منذ أن كنت في الصف الثاني ووالدتي تشجعني على قراءة القصص القصيرة، ومحاولة تقليد أسلوبها في الكتابة، وهو ما جعلني اقترب كثيرا من الكتابة الأدبية وأحبها كثيرا لأنها تعكس ما يدور بداخلي، وتمكنني من تسجيل مشاهداتي والمواقف التي تصادفني حاليا وحتى عندما أكبر». التشجيع لم يتوقف عند حدود والدي مريم إنما وصل إلى إخوتها ومدرستها، وهو ما زاد من حبها للكتابة التي تتناول فيها مواقف تواجهها لأول مرة، وأخرى تسمع أو تقرأ عنها، وفي ذلك تقول مريم: «تشجيع والدتي مكنني من تسجيل العديد من المواقف التي واجهتني، وتحويلها إلى قصص قصيرة، وكذلك تمكنت من كتابة بعض القصص التي تحض على التمسك بالعادات والتقاليد والفخر باللغة العربية». ورغم ذلك لم تستثنِ مريم التي بدأت هي الأخرى بقراءة روايات محمود تيمور والروايات المترجمة الأطفال من قصصها، فقد كان لهم نصيب كبير فيها. وتشير مريم إلى أن أكثر ما يجذبها في الكتابة هو قدرتها على التعبير عما يدور في النفس، ولذلك تعتبرها طريق جيد ستحاول المحافظة عليه في المستقبل.

الكتابة بأجواء هادئة

في المقابل، يفضل عمر النابلسي، الطالب في الصف العاشر الكتابة في جو من الهدوء وذلك لأنه يعتبر أنها انعكاس لما في النفس، يقول عمر: «بدأت الكتابة منذ صغري، وتلقيت تشجيعا من والدي الذي دائما يحضني على القراءة ويوصيني بأنها مفتاح النجاح لأنها تعمل على توسيع مداركنا، ودائما يقول لي بأن الحياة للناجحين، والناجحون هم الذين يستمرون في القراءة، وقد خرجت من عباءة القصص القصيرة لأبدأ بقراءة الروايات الطويلة خاصة الانجليزية منها، وكذلك أركز في قراءتي على التاريخ الإسلامي وسيرة سيدنا محمد عليه السلام وصحابته الكرام، وذلك لاحتوائها على عنصر التشويق، وسرد الأحداث».

عمر انتهى قبل فترة بسيطة من كتابة قصة قصيرة تدور أحداثها حول طفل يتيم يتمكن من تحقيق وصية والده بأن يكون طبيبا، ويصور عمر فيها وقفة الطفل على قبر والده والحديث الذي دار بينهما في هذه اللحظة.

ويشير عمر إلى أنه يفضل كتابة السير الذاتية، لما فيها من أحداث شخصية وتفاصيل مهمة، وهو يعتقد بأنها تعتبر من أصعب أنواع الكتابة حيث يجب تقديم الشخص بصورة جيدة من خلال العديد من المواقف التي مر بها، كما يعتقد عمر بأن للكتابة وقتاً معيناً بالنسبة له، وعادة ما يمارسها في الصباح حيث يكون الجو أكثر هدوءا، ويحاول دائما أن يعيش الموقف حتى يتمكن من التعبير عنه، كما انه يحاول دائما الكتابة بفرح كمحاولة لإدخال الفرح والسرور في قلوب كل من يقرأ له.

رصيد كبير

عبد الرحمن شويطر، الطالب في الصف العاشر كان أحد الفائزين بجائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز ـ فئة الطالب المتميز، ولديه رصيد من القصص القصيرة الذي يتجاوز العشر، وعن تجربته يحدثنا عبد الرحمن بالقول: «بدأت بممارسة الكتابة الأدبية بعد وصولي إلى الصف الرابع، وقد حصلت على العديد من الجوائز ولدي الآن 10 قصص قصيرة تتناول أغلبها مواقف حدثت معي وكذلك مشكلات اجتماعية موجودة في الإمارات وكذلك الدول العربية».

وما يظهر لنا بأن عبد الرحمن مقتنع تماما بأن الكتابة الأدبية تحتاج إلى ممارسة دائمة، حتى يتمكن الشخص من تطوير أسلوبه الأدبي، ويحاول عبد الرحمن في قصصه استخدام أسلوب التشويق لاستفزاز القارئ وجذبه إلى مواصلة القراءة.

ورغم أنه دائم الاطلاع على جديد الكتب التي تتعلق بالاقتصاد والتجارة، إلا انه لا يبتعد كثيرا عن الروايات الطويلة التي تحمل في طياتها عناصر الإثارة والتشويق، فهو يعتبر أنها تؤمن له فرصة التعلم وتطوير أسلوبه الكتابي، ويقول عبد الرحمن بأن كتابة القصص تجذبه أكثر من الشعر فهي تمنحه الحرية الكاملة في التعبير عن نفسه، عدا عن أنها لا تلزمه بنمط معين كما في الشعر.

والدا عبد الرحمن دائما التشجيع له، وقد ساهما بتسجيله في اتحاد أدباء وكتاب الإمارات فرع الشارقة، وذلك كمحاولة منهما لتنمية هذه الموهبة في نفس ولدهما، لاعتقادهما بأن الكتابة هي انعكاس لشخصية الكاتب.

أسبوع ثقافي يرعى براعم الأدباء الصغار

في إطار الاهتمام بمواهب الناشئة والعمل على الارتقاء بها نظمت مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر أسبوعاً ثقافياً عمل على لمّ شمل ثلة من المبدعين الصغار الذين اختاروا فن الكتابة سبيلاً للتعبير عن مكنوناتهم النفسية ورؤاهم وأحلامهم.

«البيان» التقت عددا من الصغار الذين اجتهدوا في كتاباتهم واختاروها طريقا للتعبير عن أنفسهم، وذلك خلال فعاليات الأسبوع الثقافي ليحدثونا عن تجربتهم في هذا المجال.

وأظهرت تجارب الأدباء الصغار دقة رصدهم لكثير من الظواهر الاجتماعية وحسن التجاوب معها وتقديم الرؤى المناسبة لأحلامهم المستقبلية وتطوير واقعهم.

غسان خروب