تراهم في كل وقت وحين يجوبون المناطق والأحياء، ويستبيحون الحريات الشخصية، ولا تؤذيهم كلمة «لا أريد» إطلاقاً.. وعلى العكس من ذلك فهم على ما يبدو يتلقفون ذلك الرد على اعتبار أنه يستثير فيهم مزيداً من الإصرار من أجل ترويج المنتج الذي يمسكون به.
فلا العادات والتقاليد تضع لهم حداً ولا سوى ذلك يردعهم بما يكف أذاهم عن الغير، وفي مختلف الأوقات؛ المواطن والمقيم وكل من يعترض طريقهم ضحية لا تبرح تخرج من شباكهم المملة رغم المحاولات الكثيرة، فلا أحد يفلت منهم إلا من كانت «أمه راضية عنه في تلك الساعة». إنهم المروجون المتجولون بين الأحياء والحارات يطرقون الأبواب ويستوقفون المارة للترويج لأجهزة كهربائية متعددة الاستخدامات بأساليب غير مشروعة لا يقبل بها شرع ولا دين ولا حتى نظام استهلاكي في أميركا أو أوروبا. مجموعة من الشباب العرب يظهرون في غاية التأنق مرتدين زياً رسمياً يلفت الانتباه، وينتشرون بين الأحياء في مختلف إمارات الدولة.. يعترضون طريق كل من يقع في دائرة تواجدهم «من فضلك ممكن 10 دقائق نعرفك بخصائص الجهاز الحديث.. لا نطلب منك أن تشتريه، فقط تعرف عليه وحسب».. يرد عليهم «لا شكراً لا وقت لدي»، فيسبقونه «فقط 10 دقائق.. الجهاز كذا وكذا...» هكذا يتصيدون من يقع في طريقهم، وفي بعض المرات تجد أن المارة يرضخون للشراء أملاً في الفكاك منهم.. تلك هي طريقة عملهم ببساطة.
منتج عجيب... «أم مايد» مواطنة من إمارة الشارقة تقول إنها وقعت قبل فترة قريبة أسيرة إصرار مجموعة من المروجين المزعجين، وقفوا عند باب البيت وانهالت من أفواههم جمل بلا فواصل تتحدث عن «منتج كهربائي عجيب» للاستخدام المنزلي، وحينما حاولت الاعتذار لم يُسمح لها، على اعتبار أن التعريف بالجهاز لا يأخذ من وقتها أكثر من 15 دقيقة!، وذلك ما دفعها إلى التأكد من عنوان الشركة المروجة ومصدرها وتقديم شكوى ضدها في إحدى الدوائر الرسمية بإمارة عجمان. وتضيف أنها تعرف مواصفات تلك الأجهزة الباهظة الثمن، وقد اشترت في السابق واحداً منها لكنه لم يدم سوى شهور قليلة، وتبين كما تقول أنها أجهزة مستهلكة قادمة من الغرب، وتباع هنا بطرق غير شرعية، وكأنها «تُفرض على المواطن فرضاً»... مروان المري أكد أن نظرة الآخرين للمواطن الإماراتي بالتحديد لا تخلو نسبياً من الاستغلال، لذلك فإنه من غير الممكن أن يدفع الشخص آلاف الدراهم فاتورة حيائه أو خوفه من أن يجرح مشاعر الآخرين، وهو يدرك أنه يتعرض للغش والخداع من قبل بائعي الكلام، مطالباً المواطنين والمقيمين بضرورة التعامل بحزم وجدية مطلقة مع مثل هذه الشركات والمروجين الذين يطمعون في جيوب الآخرين دون وجه حق.
لا حياء ... وأضاف أن أحد هؤلاء الباعة جاء إلى بيته، فتحدث إليه من شرفة المنزل ورد عليه بنبرة رفض أنه لا يريد أن يسمع منه شيئاً وفق مبدأ «من لا يستحي منك لا تستحي منه». مشيراً إلى أنه بإمكان الشخص أن يتخلص من مثل هؤلاء وألا يتعامل معهم وأن يغلق الأبواب في وجوههم، وأن يهددهم بإبلاغ الشرطة إن استدعى الأمر، وفي النهاية فإنه من غير المقبول أن تكون فاتورة الخجل من الآخرين دفع آلاف الدراهم مقابل أجهزة عقيمة، كما هو الحاصل لدى البعض.
مخالفة وغرامة
وبالحديث إلى سلطان النعيمي مدير مكتب وزارة الاقتصاد في إمارة عجمان، أكد أنه سبق وأن تم تغريم تلك الشركة التي يديرها شخص من إحدى دول مجلس التعاون وتعمل في عجمان، ويوجد لها فرع في إمارة أخرى.
كما وتوجد شركات أخرى تعمل في نفس المجال في إمارات الدولة الأخرى، لافتاً إلى أنه صدرت بحق الشركة مخالفة صريحة وغرامة مالية لسبب مخالفتهم القوانين التجارية المعمول بها، وتعديهم على خصوصيات الأفراد عن طريق طرق الأبواب لعرض منتجات ربما تكون غير آمنة أو رديئة الجودة.
وأضاف النعيمي أنه وردت منذ نحو شهر شكوى إلى الوزارة تفيد بوجود شركة في عجمان تواصل عملها المخالف وتطرق الأبواب، وأنه شخصياً تواصل معها على أساس أنه زبون وقدم عنواناً مزيفاً للتأكد من ممارستها للنشاط، وبالفعل حضر موظفوها إلى المكان المحدد للتعريف بالجهاز وتم ضبطهم.
لافتاً إلى أنه تم تغريم الشركة وأخذ تعهد عليهم بعدم ممارسة مثل هذا النشاط إطلاقاً وفي حال تم ضبطهم مرة أخرى ستغلق المنشأة.
وأوضح سلطان النعيمي أن توجيهات معالي سلطان المنصوري وزير الاقتصاد، ومتابعة المهندس عبدالعزيز الشحي مدير عام الوزارة، تُشدّد باستمرار على ضرورة محاربة مثل هذه الأنشطة غير الآمنة وغير الموثوقة، والتصدي لها بكل حزم.
لافتاً إلى أنه سيرسل خلال الأيام المقبلة كتاباً إلى دائرة البلدية والتخطيط في عجمان، والشؤون القانونية في الوزارة من أجل تشكيل لجنة مشتركة واتخاذ إجراء بإغلاق المنشأة التي على ما يبدو لم تتعظ بإنذارها ومخالفتها أكثر من مرة.
خطورة واحتيال
وأكد النعيمي أن الوزارة حازمة في التعامل مع المنشآت التي تروج لمثل هذه المنتجات، على اعتبار أنها تدخل إلى البيوت ومن الممكن أن تؤذي سكان البيت برش المواد الكيماوية، وبالتالي تحسب المخالفة هنا في جهة حماية المستهلك وفي تخطي حدود الرقابة.
وتطرق مدير مكتب وزارة الاقتصاد إلى نشاط آخر شبيه ومخالف، وهو الذي تنتهجه الشركات السياحية عن طريق إيهام الآخرين بربح رحلة سياحية ومن ثم ممارسة أوجه النصب والاحتيال المتعددة، موضحاً أن فرق التفتيش والرقابة تتابع باستمرار مثل هذه الأنشطة وتوقفها، كما وأنها تستجيب لشكاوى المواطنين والمقيمين، ومن الممكن أن يصدر قرار بالتشاور مع الجهات المعنية التي تصدر التراخيص لمثل تلك الأنشطة، ويتم إغلاق المنشأة.
المشكلة كما يحددها النعيمي تكمن في قدرة القائمين على مثل تلك الأعمال المحظورة والتي تدخل في سياق الاحتيال، في أن يلجأوا إلى إيجاد تراخيص أخرى جديدة وبمسميات مختلفة، وبالتالي فهم يمارسون النشاط نفسه، وحالهم للأسف أشبه بواقع «السرطان» الذي تستأصله ثم يعود وينتشر في الجسد من جديد.
وهذا الواقع يحتم على الجمهور التعاون مع الدوائر الحكومية المعنية، مثل وزارة الصناعة ودائرة البلدية والدائرة الاقتصادية، من أجل وضع حد للنشاط المخالف الذي من الممكن أن يوقع ضرراً بالجمهور.
منتجات خردة
أحد المواطنين المتضررين من ظاهرة الترويج الخارق للخصوصيات، أكد أن هذه المؤسسات والموظفين المروجين لسلع ومنتجات رديئة وقديمة ومنتهية الصلاحية، يأتون بها من بلدان تخلت عن استعمالها ونقلتها إلى محلات الخردة بعد تأكد فشلها في تلك المناطق، مشيراً إلى وجود أناس متخصصين في إعادة تغليفها بطريقة تلفت النظر ومن ثم تصديرها إلى دول أخرى وبيعها بأغلى الأثمان، وهو ما يحصل حالياً في دولة الإمارات.
وأضاف أن المشكلة تكمن في وجود أشخاص يتأثرون بطريقة الترويج تلك، ويسمحون لمثل هؤلاء الأشخاص بالدخول إلى منازلهم للشرح العملي وهنا يسهل إقناعهم بشراء تلك الأجهزة التي لا تعمل سوى شهور قليلة.
لافتاً إلى أن الجهاز الذي يستخدمونه للشرح والتجريب فقط يكون في الغالب ذا جودة عالية ويؤدي بامتياز، فيبهر الزبون المغفل الذي يفاجأ بعد شرائه بأنه قد خدع وقد ركن الجهاز المغشوش في إحدى زوايا المنزل.
وبات من المعروف أن هذه الأجهزة لا يمكن أن تؤدي أبسط الأعمال، وهي معرضة للتلف سريعاً، لكونها خردة مهملة أعيد تغليفها على نحو يساعد على سرقة ما في جيوب المغفلين.
أبدى مواطنون استياءً شديداً من الوسائل التي يلجأ لها المروجون لمثل هذه السلع، ومنها على سبيل المثال الحصول على اسم الشخص ورقم هاتفه عن طريق أصدقاء ومعارف آخرين، ومن ثم الاتصال معه وكأنه يعرفه، وغالباً ما تكون الاتصالات في أوقات ما بعد الظهر أو المساء في فترة الراحة والاسترخاء.
وأكد آخرون أن ظاهرة طرق أبواب البيوت أو الاتصال عبر الهاتف للتعريف بمنتج أو للإبلاغ عن الفوز برحلات سياحية أو الدعوة لحضور حفل إعلان عن مشاريع سياحية وعقارية، كل هذه الأمور تبدو في ازدياد مستمر، وتشكل خطورة على المجتمع، لكون غالبها يدخل في خانة الاحتيال على الآخرين وابتزاز جيوبهم دون وجه حق.
المشكلة الأخرى هي أن الأشخاص العاملين في مثل هذه المنشآت يكونون في الغالب ليسوا على كفالتها، وهم إما مخالفين أو يعملون وقتاً إضافياً بنظام النسبة عن طريق جلب زبائن «ضحايا» من السهل إيقاعهم في الشرك ودفعهم إلى شراء جهاز شبه منتهي الصلاحية بعشرات آلاف الدراهم أو دفع أموال للحصول على رحلة سياحية غير موجودة أصلاً.
يصرون على الزيارة ويفرضون بضائعهم
«البيان» تحدثت إلى شركة مصدرة لشباب يروجون أجهزة كهربائية متعددة الاستخدامات، والتي تتخذ من عجمان مقراً لها من أجل استيضاح آلية العمل هناك، وعلى الرغم من الإصرار على معرفة سعر المنتج إلا أن الموظف وهو من جنسية عربية رفض بأسلوب دبلوماسي عجيب.
وتهرب من الطلب مرات عدة، وأصر من جانبه على معرفة العنوان ليرسل أحد العاملين إلى البيت للتعريف بمواصفات الجهاز الكهربائي متعدد الاستخدامات، وبعد أخذ ورد لم يفصح هو عن سعر الجهاز، أما أنا فلم أفلت من تشبثه بالحديث معي إلا بإغلاق السماعة في وجهه.
دبي ـ عنان كتانة



