افتتح متحف «فكتوريا وألبرت» في لندن أخيراً، بالاشتراك مع شرطة سكوتلانديارد، معرضا للتحف المقلدة وأدوات التزوير التي اكتشفتها الشرطة وحققت فيها. ويستعرض المعرض أبرز أعمال التزوير والعقل المدبر لها وهو شوان غرينهالغ، كما يكشف عن بعض التقنيات التي تستخدمها الشرطة لاكتشاف الأعمال المزورة.

وكان غرينهالغ قد زيف بصورة دقيقة، على امتداد 17 عاما، قطعا فنية خدعت حتى أمهر خبراء المتاحف، وبيعت بثمن مرتفع يصل إلى ملايين الدولارات. ويقضي هذا الفنان المزيف عقوبة السجن لمدة 4 سنوات، بعد أن حوكم في عام 2007. كما حكم على والديه، اللذين قدما له مساعدة كبيرة، بالسجن مع وقف التنفيذ نظرا لأنهما في الثمانينات من عمرها.

وتنتمي التحف التي زورها غرينهالغ للعالمين القديم والحديث على حد سواء. ومن ضمنها لوحات آشورية عليها نقوش أثرية نافرة، ولوحات توماس موران الفنية، ومنحوتة بربارة هيبويرث التي تبدو على شكل إوزة.

وقام غرينهالغ بصهر بعض العملات النقدية الرومانية الأصلية لابتكار طبق «ريزلي بارك لانكس»، وهو طبق طعام روماني نقشت عليه رسومات حديقة ريزلي العامة، وقد تقبله عالم الفنون الجميلة على أنه قطعة أثرية أصلية، وبيع في مزاد علني في عام 1992 بقيمة 100 ألف جنيه إسترليني، قبل أن يتم التبرع به للمتحف البريطاني.

ولكن ربما كانت أشهر أعمال غرينهالغ الإجرامية وأكثرها إثارة للاهتمام تمثال «أميرة العمارنة»، وقد بيع لمتحف بولتون عام 2003 بمبلغ 440 ألف جنيه إسترليني، وهذا التمثال بدون رأس، ومصنوع من المرمر، ويبلغ طوله 52 سم، ويجسد أميرة فرعونية.

ولا يعتبر هذا تزويرا عاديا، ففن العمارنة، كان شكلا من أشكال الفن الفريد في تاريخ مصر القديمة، وقد مورس لأكثر من 20 عاما خلال فترة حكم الفرعون أخناتون، وبعدها بفترة قصيرة. وكان أخناتون من الفراعنة الثائرين بكل معنى الكلمة. فعندما جاء إلى السلطة، تخلص من تعدد الآلهة، الذي كان سائدا في مصر الفرعونية وقتئذ، وركز على عبادة كائن إله يدعى آتون ويرمز إليه بقرص الشمس. وبنى عاصمة جديدة بالكامل في قلب الصحراء، أطلق عليها اسم «العمارنة»، كما أدخل أسلوبا جديدا غريبا تماما على الفنون المصرية.

لذلك فإن نجاح غرينهالغ في إنجاز هذا التقليد المقنع لشخصية ملكية، تنتمي إلى حقبة زمنية فريدة من التاريخ الفني المصري القديم، يعتبر أمرا مدهشا.

وفي معرض تبريره لموقفه أوضح متحف بولتون، الذي اشترى أحد الأعمال المزيفة، أن ندرة العمل الأصلي جعلت من الصعوبة بمكان إخراجه كتحفة مزورة.

وللمساعدة في بيع العمل المزيف، لعب والد غرينهالغ العجوز دور بائع الصدارة، وأبلغ المتحف قصة حصوله على التمثال، قال فيها أن جد جده اشترى هذه القطعة الفنية من مزاد علني أقيم عام 1892، واحتوى على مقتنيات جامع التحف الشهير ايرل ايغريمونت الرابع.

وفي عام 2005، لعب والد غرينهالغ مجددا دور بائع الصدارة، وحاول بيع ثلاث منحوتات آشورية زائفة للمتحف البريطاني. وهي تصور مشاهد قتالية قديمة، وبدت المنحوتات للوهلة الأولى كأنها أصلية، غير أن التفاصيل التي أضافها غرينهالغ بدت غامضة.

وكانت هناك أخطاء متعددة، فقد أظهرت التحف الفنية ما بدا أنه أسرجة خيول تنتمي إلى القرن العشرين، كما لوحظ وجود خطأ في التهجئة في الكتابات المسمارية. ومما زاد الطين بلة، التفاصيل التي سردها الأب بشأن الحصول على التحف الفنية، حيث برر الحالة السيئة للمنحوتات بأنها ظلت مخبأة في مرآب سياراتهم لعقود عدة.

وتساءل خبراء المتحف كيف أن الصحراء العراقية القاسية ساعدت على حفظ تلك المنحوتات النافرة، بينما لم يستطع مرآب سيارات في خط العرض الشمالي للكرة الأرضية الحفاظ عليها؟ وعلى إثر ذلك اتصل المتحف بشرطة سكوتلانديارد التي سارعت بالقبض على المزور وعائلته.

عمر حرزالله