قدم المذيع الكوميدي الشهير كونان أوبراين الحلقة الأخيرة من برنامجه «تونايت شو» على «ان بي سي» يوم الجمعة الماضي، وغادر الشبكة بعدئذ مقابل تعويض من الشبكة قيمته 45 مليون دولار، وذلك عقب مفاوضات مستمرة منذ مدة واحتدام الصراعات بين مقدمي البرنامجين الكوميديين على الشبكة نفسها، أي أوبراين وجاي لينو.

لكن قبل التفاصيل لا بد من خلفية توضح الأدوار والشخصيات. لقد استمتع الأميركيون بافتتاحية «هنا جوني» على مدى ثلاثين عاماً حين تربع جوني كارسون وحده على عرش كوميديا الليل الحوارية في برنامج خطف كل الأضواء وحمل عنوان ليصبح أطول برنامج يبقى على الهواء في تاريخ التلفزيون الأميركي منذ عام 1953.

كان كارسون رمزاً ملهماً لأجيال من ممثلي الكوميديا الأميركيين الذين حلموا بخلافته، ليحمل بعده لينو مشعل البرنامج بعد قرار كارسون بالاستقالة مايو عام 1992. دخول لينو كان مثيراً للجدل لأن غريمه ديفيد ليترمان، الذي كان يستضيف برنامجا يلي كارسون، سعى لأخذ مكانه ايضاً.

كان كارسون يعتبر ليترمان خليفته الطبيعي، لكن قرار «ان بي سي» حينها كان إعطاء البرنامج إلى لينو ما دفع بليترمان إلى مغادرة الشبكة والتوجه إلى «سي بي اس» ليصبح المنافس الرئيسي في التوقيت ذاته أي الساعة 3511.

خطأ التقدير كان في اعلان «ان بي سي» في سبتمبر عام 2004 ان اوبريان سيخلف لينو بعد خمس سنوات، برر حينها لينو القرار بأنه يريد تفادي ما حصل من ضغينة بينه وبين ليترمان، أي توضيح مسبق لـ «انتقال السلطة» في البرنامج الذهبي.

بالفعل اوبريان، الذي كان يستضيف برنامجا يلي لينو، أصبح في حزيران عام 2009 مضيف البرنامج في تداول سلمي بدون نزاعات شخصية. لكن قلق «ان بي سي» حينها كان احتمال انتقال لينو (59 عاماً) إلى محطة منافسة لاسيما بعدما أعرب عن عدم رغبته بالتقاعد كما كان مقرراً، ما دفع بـ «ان بي سي» إلى إعطائه برنامجا مماثلا في ساعة ذروة أخرى هي العاشرة مساء.

حين فشلت هذه التجربة وتراجعت نسبة مشاهدة برنامجي لينو واوبريان في ظل نجومية ليترمان المتجددة وبعد ضغط الشركات المحلية التابعة لـ «ان بي سي»، اتخذ في 10 يناير الماضي قرار إعادة لينو إلى الساعة 3511 لكن لمدة نصف ساعة فقط ابتداء من فبراير 2010 على ان يليه برنامج اوبريان، اي تغيير توقيت البرنامج لكن ليس عنوانه. حيلة «ان بي سي» القانونية كانت تضمين عقدها مع اوبريان بنداً يسمح بنقل توقيت البرنامج إلى الساعة 0512

بدون عواقب، بحجة استيعاب الدورات الرياضية الكثيرة التي تغطيها المحطة مثل الألعاب الاولمبية الشتوية الشهر المقبل. فتبلغ اوبريان هذا القرار بدون اشعار مسبق، وكان عليه إما قبوله او الاستقالة. خرج اوبريان عن صمته واصدر بيانا في 12 يناير مؤكدا فيه انه لا يريد استضافة البرنامج في حال تغير توقيته، وجاء في رسالته العلنية إلى «شعب الارض» ما يلي: «اعتقد بإخلاص ان تأخير (تونايت شو) لاستيعاب برنامج كوميدي آخر سيلحق ضرراً بالغاً في ما اعتبره اكبر امتياز في تاريخ البث».

قررت «ان بي سي» بعدها دفع حوالي 30 مليون دولار لإنهاء عقد اوبريان في تسوية توصل إليها المدير التنفيذي لشركة «يونيفرسال» رون ماير الذي استُدعي إلى طاولة المفاوضات بعد وصول المحادثات إلى طريق مسدودة.

أصر ريك روزن وكيل أعمال أوبريان على ان «ان بي سي» أخلّت بالعقد الموقع مع موكله ما يوجب عليها دفع تعويض يتراوح بين 40 و50 مليون دولار، لاسيما ان راتب اوبراين السنوي يبلغ 12 مليون دولار ولا يزال عقده صالحاً مدة سنتين ونصف السنة، فيما تصرّ «ان بي سي» أنه ما دام هناك شيء اسمه «تونايت شو» على الهواء لا يوجد أي خرق للعقد الموقع. المواجهة بين الطرفين لا تزال مستمرة.

فقد ردت «ان بي سي» عبر مسؤول الرياضة في الشبكة ديك ايبرزول في «نيويورك تايمز» معتبراً انه «فشل مذهل»، لتسرب بعدها انه كان لجاي لينو بند لحماية توقيت بث برنامجه كما ديفيد ليترمان، لكن «فريق كوكو لم يفاوض أبداً على هذا» في لهجة ساخرة من كونان، واذا كان هذا الأمر صحيحاً فقد يسبب الأمر إحراجاً بالغاً لمحامي اوبريان ليغ بريتشين.

ردّ اوبريان على «ان بي سي» عبر برنامجه قائلاً «مرحباً، انا كونان اوبريان موظف الشهر في (ان بي سي.) هناك شائعة ان «ان بي سي» غاضبة مني لدرجة انها تريدني خارج الهواء ثلاث سنوات. ردي هو اذا كانت «ان بي سي» لا تريد ان يراني الناس فلتتركني على «ان بي سي»».

وتابع قائلاً «في الواقع، يعتقدون انني أحمق إلى درجة أنهم يريدونني إدارة الشبكة». وعرض كونان برنامجه للبيع على موقع «كريغزليست» الالكتروني حيث جاء في الإعلان «للبيع برنامج حواري في ليل متأخر بالكاد مستخدم، قدِّم لي عرضاً». وقال أوبراين (46 عاما): «أريد فقط أن أقول للأطفال الذين يشاهدون في الخارج، يمكنكم فعل أي شيء في حياتكم إلا اذا كان جاي لينو يريده أيضاً».

لينو اكتفى في البداية بالسخرية مما يجري وعدم التعرض لاوبريان لاسيما أن التعاطف كبير معه في هذه المرحلة، فقال «بعض الأخبار الجيدة من أفغانستان. هل سمعتم عن الأمر؟ نقاد الحرب توقفوا عن تسميتها فيتنام أخرى. الأخبار السيئة، إنهم يدعونها «ان بي سي» أخرى الآن».

ورد اوبريان في ليلة أخرى «لم يصب أحد بأذى لكن هذا صحيح. ضرب زلزال بقوة 6 ،5 درجات كاليفورنيا. الزلزال كان قوياً لدرجة انه خبط برنامج جاي لينو من الساعة العاشرة إلى 3511»..ويبقى الخاسر الأكبر في كل هذا على ما يبدو، مادياً ومعنوياً، شبكة «ان بي سي».