ضرب الإعلام الرقمي، الشائع اليوم، القواعد الكلاسيكية التي سبق للصحف والراديو والتلفزيون أن رسخوها في العلاقة بين الوسيط والمستهلك. وقدمت هذه «الميديا الجديدة» نفسها بوصفها تمردا وثورة على الانفلاش غير الفعال للرسالة الإعلامية الصادرة عن تلك الوسائط، وأنها قادرة أكثر على شخصنة تلك التجربة. لكن الجدل الذي يحصل اليوم في الوسط الإعلامي الرقمي يثبت أن «الوسائط الجديدة» غرقت مجددا في ذات الأخطاء التي ادعت أنها نشأت لمواجهتها.
«تعتبر نظرية بلاتو أن القرارات يتم اتخاذها بناء على المعرفة وليس على الأرقام. أعتقد أن هذه النظرية لا يمكن تطبيقها في السوق الإماراتي، حيث أن الأرقام تعلب دورا هاما في قيادة العمليات الاقتصادية والمعرفية». هذا رأي من آراء عدة يؤمن بها ريك غيه، المدير التنفيذي لمجموعة الإعلام الرقمي (ديجتال ميديا غروب)، التابعة لـ » مؤسسة أبوظبي للإعلام».
ريك، الذي يتولى مهمات عدة تبدأ من تطوير المضمون الرقمي، وتوضيب عمليات الاستحواذ، مرورا بتوزيع المضمون عبر الوسائط الإعلامية الرقمية الناشئة، على النطاقين المحلي والعالمي، وصولا إلى تولي المفاوضات المتعلقة بمضمون يتم إرساله عبر الهاتف النقال أو التلفزيون مدفوع المشاهدة أو لمنصات الأخرى.. يعتبر أن الأرقام قد تكون فعلا مدعاة لدهشة كبيرة، حين يتعلق الأمر بتزايد إقبال المستهلك، والمعلن تبعا، على المنتج الإعلامي الرقمي، خلال السنوات المقبلة.
تشير توقعات مركز الدراسات العالمي «برايس هاوس كوبر» و«ويلكوفسكي غرون» أن حجم الإنفاق الإعلاني على الإنترنت سيصل في العام 2012 إلى 4,120 مليون دولار، في زيادة قدرها 855% عن الإنفاق في عام 2003 والذي لم يتجاوز 6,12 مليون. واذا ما قارنا هذا النمو مع النمو الذي تشهده صناعة الإعلام والترفيه بشكل، في الفترة ذاتها، سنجد أن معدلات نمو الإعلان على الانترنت تفوق نمو الصناعة بأكملها.
تقول تقديرات شركتي الأبحاث أن حجم هذه الصناعة قد بلغ في العام 2003 ما يقارب 21,1 مليار دولار، ولن يتجاوز هذا الرقم 8,1 مليار هذا العام، وهو ما يعكس نموا متواضعا للصناعة خلال أكثر من 6 سنوات. هناك دهشة أخرى، قد تصيبك حين تعرف ان معدل النمو الذي يعرفه «تويتر» سنويا، يصل إلى 1382%، بحسب الأرقام المتعلقة بشهر فبراير من هذا العام.
لكن هذا الانفجار الحاصل على مستوى الوسائط الرقمية، في الشبكات الاجتماعية الافتراضية وتبادل الصور والألعاب الإلكترونية والدردشة بالصوت والصورة والرسائل النصية وغيرها. يجعل ريك يتساءل:» هل علينا أن نأخذ بنموذج الفيس بوك أو البلوغ بوست كأنه المنتج النهائي والمثالي، الذي يجب أن تفصّل باقي المنتجات أو الوسائط الإعلامية على قياسه، أم أنه يتوجب علينا أن نتفحص بنظرة أكثر تعمقا ونعطي المستهلك منصات ذات استدامة عالية على المدى الطويل؟».
لكن السؤال الآخر الذي يطرح نفسه: هل تتوافق فعلا المنتجات التي طورها رك وفريقه، منذ تعيينه في منصبه في ديسمبر العام 2008، إلى اليوم، مع سؤاله. كان ريك وراء عدد كبير من المشاريع الناجحة للشركة، على رأسها تطوير محتوى تفعالي لجريدة «ناشونال» الانجليزية التي تصدر عن الشركة، وصولا إلى الشراكة مع آرفاتو والتي أنتجت موقعا الكترونيا بعنوان «جتمو»، بوسع المستخدم أن ينزّل من خلاله أفلام وأغان وبرامج عربية وغربية وهندية مدفوعة، أو مجانية في حال كان مشتركا، إذ يقوم الراعي الإعلاني في هذه الحالة بدفع تكلفة المواد، التي تتمتع بحقوق الملكية، بعكس الشائع على الانترنت اليوم.
«لدينا الكثير بعد لنقدمه، نعيش في وقت تسارع رهيب للتقنيات الحديثة. الكل يريد أن يستخدمها ويريد أمورا كثيرة بواسطتها. لم يعد الحروف الثلاثة الأولى التي تعني الشبكة الافتراضية www، تعني «ورد وايد ويب» بعد الآن، بل هي تعبّر عن ثلاثة كلمات هي want،want،want، أو أريد، أريد أريد..».
لكن ريك يعتقد أن هذا التهافت غير المدروس اليوم لدى الجميع لكي يكونوا على الفيس بوك والتويتر، جعلهم أشبه بمن يطلق عيارا ناريا لا أحد يسمعه. «المشكلة أن الجميع بات يريد أن يكون في المكان ذاته، في الوقت ذاته. في المرحلة المقبلة علينا أن نقوم بفلترة تلك الضوضاء لكي يبقى لنا شيء قيم نتأثر ونؤثر به، على الأقل».
بعض الطلقات النارية التي يبدو أنها صوّبت في المكان الملائم، لدى «شركة أبوظبي للإعلام» مؤخرا، هي تلك الاستطلاعات التي قادتها عبر البوابة الالكترونية الخاصة بكرة القدم التي تملكها وهي «سوبر». إحدى الدراسات قالت أن 39% من الرجال في منطقة الشرق الأوسط هم على استعداد لكي يلغوا موعدا غراميا، في سبيل مشاهدة إحدى الفعاليات الرياضية.
دراسة أخرى قالت أن الرجال يفضلون أن يترددوا على موقع الكتروني معني بشؤون الرياضة على أن يقوموا بالتواصل عبر تويتر:» هذا لا يعني انهزاما لتويتر، ولكن يعني أنه يتوجب علينا أن نعيد التفكير بتأثير الوسائط الحديثة. الناس يريدون ان يحصلوا على ما يرغبون به، لا ما يمنح لهم».
في سطور
ـ المدير التنفيذي لمجموعة الإعلام الرقمي «ديجتال ميديا غروب» التابعة لـ «شركة أبوظبي للإعلام» منذ ديسمبر 2008.
ـ قضى أكثر من 20 عاماً خبيراً في مجال الإعلام الرقمي في وظائف متعددة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
ـ قدم استشارات وساهم في استحداث منصات جديدة في شركة الاتصالات البريطانية «بريتش تيليكوم».
ـ كان مديراً للبرامج في القناة الثالثة في التلفزيون السويدي.
ـ أوكلت إليه مهمات تطوير المحتوى الإعلامي الرقمي واستحداث منصات جديدة لكافة الوسائط الإعلامية التابعة لشركة أبوظبي للإعلام.
