كانت الطريق طويلة عندما توجهت من الشارقة إلى دبا الحصن في الفجيرة، ورغم طولها إلا أنها كانت مسلية لما فيها من شغف القيادة نظراً لتعرجات الطريق الذي يخترق الجبال المحيطة، فضلاً عن أنها تمنحك الفرصة لتتعرف على الكثير من المناطق بدءاً من الذيد وانتهاء بدبا الحصن، وما بينهما من مناطق.
كانت الشمس قد قاربت على الانتصاف في كبد السماء عندما وصلت إلى مقر معسكر شركة «بي بي» الذي تقيمه سنويا في شهري ديسمبر ويناير لمدة يومين في كل مرة، وتستضيف فيه عددا من الشباب الجامعيين ومن هم على أبواب التخرج من المدارس، وبوصولنا كان الشباب قد عادوا من رحلتهم الأخيرة بالقرب من حدود سلطنة عمان، وقد بدوا أكثر حيوية رغم التعب الذي يعتلي وجوههم. في المكان بدا كل شيء منظما، فالدراجات الهوائية وكذلك القوارب وضعت في أماكنها، في حين يبدو جدار التسلق الذي يقع في منتصف المعسكر تقريبا قد هيمن على المكان.
لقد حاولت الشركة المنظمة لمعسكر «المغامرون الشباب» تهيئة كل شيء في المكان بطريقة جميلة تعين الشباب المشاركين على مواصلة الحياة في ظروف قاسية مجردة من الترفيه والتكنولوجيا، بغية تحفيزهم على المغامرة، فهي تحاول من خلال برامج مكثفة تعليمهم عدداً من المبادئ الحياتية وكيفية التأقلم مع الآخر ومواجهة تحديات الحياة، وذلك من خلال عدد من النشاطات الجسدية التي تحمل في طياتها قدرا عاليا من النشاط والحيوية والتعلم. قاعة المعسكر الرئيسية بدت هي الأخرى هادئة قبل دخولنا إليها وسرعان ما ضجت بالحياة إثر توافد الشباب لتناول طعام الغداء فيها، في القاعة ذاتها التقينا عددا منهم ليحدثونا عن تجربتهم ورأيهم في معسكرات الشباب والتي قالوا إنها عموما تفتقد إلى الإعلان الترويجي، وأن المنطقة بحاجة لها لما فيها من فائدة للشباب.
البداية كانت مع حارب بدر حارب، الطالب في جامعة سان جوزيف بدبي، حيث قال: «إقامة المعسكرات الشبابية فكرة إيجابية تسمو بالشباب، وتميزهم في مجالات مختلفة، وتعزز لغة الحوار بينهم وتقوي فيهم الثقة بالنفس، وتزيد من قوة شخصياتهم لما فيها من برامج مختلفة»، وأوضح: «ميزة هذه المعسكرات أنها تساعد الشباب على الاجتماع ضمن فريق واحد، وتعلمهم كيفية إنشاء العلاقات الاجتماعية والتعامل معها، إلى جانب إنها تعلمهم مهارات عدة مثل الغوص، والسباحة والتسلق وعمليات الإنقاذ والإسعافات الأولية، وطرق المحافظة على البيئة المحيطة بنا».
أول مرة
أما جمال ناصر، الطالب في كليات التقنية العليا في مسقط فقد قال: «هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها بمثل هذه المعسكر وأود تجربتها بشكل دائم، ففيه تعلمت الكثير من الأشياء خاصة فيما يتعلق بقواعد الأمان والسلامة، وضرورة المحافظة على البيئة المحيطة بنا، وقد اكتشفت خلال وجودي فيه الكثير من المناطق التي تستحق الزيارة نظراً لما تتمتع فيه من بيئة جيدة وهدوء، ولذلك أنصح الشباب جميعا بالانضمام لهذه المعسكرات خاصة البدناء منهم.
حيث تساعدهم على الحركة الدائمة التي تساهم في التخلص من البدانة وتبقيهم في نشاط دائم»، وواصل جمال: «لقد تعلمنا فيها العديد من المهارات التي تعيننا في المستقبل على مواجهة الحياة وحالات الطوارئ، وللأسف أن المنطقة العربية تفتقر لمثل هذه المعسكرات رغم وجود الكثير من المناطق التي تصلح لإقامة المعسكرات ولو لمدد قصيرة».
خليفة محمد المقبالي، الذي يدرس الطب في جامعة الإمارات قال: «هذه ليست المرة الأولى التي أشارك فيها بمعسكرات الشباب، ومن قبلها شاركت في مخيمات توطين، والسبب أنها تمكنني من الحصول على خبرات عالية قد أحتاج لفترات طويلة للحصول عليها.
بالإضافة إلى أنها تمكنني من التعامل مع الناس على شتى اختلافهم، وتساهم في تكريس صفة القيادة لدى الشاب بشكل واقعي وحقيقي بعيدا عن النظريات، من خلال تقسيمهم لمجموعات مختلفة يجب أن يكون لها قائد وهدف تسعى لتحقيقه، فضلا عن أنها تعلم الشاب حسن التصرف في الكثير من المواقف التي قد يقع فيها خلال حياته».
ويرى المقبالي بأن هذه المعسكرات تتواجد في الإمارات وتحظى بدعم كبير، ولكنها تحتاج لتكثيف الإعلان عنها لجذب الشباب إليها، خاصة وأن بعضها يغلب الشق العملي على النظري وهو ما يزيد من خبرة الشاب، وقال: «بتقديري يجب أن تكون ضمن المنهاج في المدارس لأنها تساعد على تنشئة الطالب بطريقة صحيحة وتقوي ثقته بنفسه وتصقل شخصيته، وتعلمه كيفية مواجهة الحياة».
ومن جهته قال يحيى الوردي، الطالب في كليات التقنية العليا في مسقط: «تعتبر هذه هي المرة الثانية التي أشارك فيها بمعسكرات الشباب، فالأول كان يعتمد على التعليم النظري أكثر من العملي، وعموما فقد استفدت منه كثيرا، ولكن بالنسبة لي فإنني أفضل التعامل مع الشق العملي أكثر لأنني أجد نفسي فيه»، وأضاف الوردي: «أشياء كثيرة استفادتها من هذا المعسكر ولعل أبرزها تنمية حس القيادة لدى الشاب، حيث يتعلم فيه كيفية التعامل مع أعضاء الفريق والسيطرة عليه وتوجيه أعضائه نحو الهدف المنشود.
فضلا عن أنني تعلمت فيه مبادئ الأمان والسلامة وهذه ضرورية لأي شخص لأنها تساهم في إنقاذه أو حفظه من المخاطر التي قد يواجهها في المستقبل، وأفضل ما تعلمته في المعسكر هو طرق التفكير الصحيحة وكيفية مواجهة المشكلات التي تواجهنا في الحياة وإيجاد الحلول لها»، وأكد الوردي بأن المنطقة العربية تفتقد إلى مثل هذه المعسكرات، وفي حالة وجودها يكون الترويج لها ضعيفا، الأمر الذي يحرم الشباب من الالتحاق بها والاستفادة منها، ووجه الوردي نصيحته للشباب بضرورة المشاركة فيها للاستفادة من الأشياء التي تقدمها.
أربعة مبادئ يزرعها المعسكر في نفوس الشباب
معسكر «بي بي» بدا غنيا ليس بالأفكار وحسب وإنما بالمشرفين أيضا، والذين تقع على كاهلهم مسؤولية مراعاة الشباب وتعليمهم وإعدادهم لميدان الحياة المفعم بالتحديات، ولبيان كيفية التعامل مع هذه الفئة تحديدا التقينا محمد مصبح، قائد المعسكر، والذي قال: «في معسكرنا نركز عادة على اختيار شباب يقعون في الفئة العمرية ما بين 17- 23 عاما.
وذلك لإيماننا بإمكانية زرع المبادئ الأساسية في نفوسهم، والتي نقصرها على أربعة مبادئ هي البيئة، والعلاقات الاجتماعية، وقواعد الأمان والسلامة، والتفكير الإبداعي، وندرك تماما أنه متى زرعت هذه المبادئ في نفوس الشباب يمكن لهم الخروج إلى الحياة ومواجهة تحدياتها، ولذلك نحن لا نركز على تطبيق هذه المبادئ في إطار حدود المعسكر فقط وإنما نعمل على تدريبهم لتطبيقها في حياتهم العملية وبين أصدقائهم وعائلاتهم، لأن مثل هذه المبادئ تتدخل في الكثير من جوانب الحياة».
تتميز مرحلة الشباب بالعنفوان والتمرد، ولذلك يجد البعض صعوبة في التعامل مع هذه المرحلة بالتحديد، وحول ذلك قال مصبح: «قد أختلف مع الآخرين في ذلك، فمن خلال خبرتنا التي اكتسبناها طوال العشر سنوات الماضية هي عمر المعسكر، يمكنني القول إن التعامل مع هذه الفئة أسهل بكثير من الفئات الأخرى.
وذلك لأنها تكون أكثر وعيا وثقافة واطلاعا على ما يجري في الحياة، وتكون قادرة على تحمل المسؤولية والتي نعمل على تحميلهم إياها منذ دخولهم للمعسكر، ونعلمهم بأن أي شاب يثبت بأنه قادر على تحمل المسؤولية يمكن أن نعيد اختياره للمعسكر التالي وأن يتم ترقيته لرتبة مشرف.
وقد لاحظنا أن الشباب يحبون ذلك لأنهم يلمسون الدور الذي يلعبه المشرف في المعسكر ومدى تأثيره على المجموعة، ولذلك يسعى معظمهم للوصول لهذه الرتبة، بالإضافة إلى أن توصيل الفكرة إليهم يكون أسهل، وهو ما يسهل الحصول على نتائج جيدة خاصة عندما يكون هناك متابعة جيدة لهم».
ومن جهة أخرى، يرى مصبح بأن هذه المعسكرات تعد تربة خصبة لتنمية مهارات الشباب الفكرية التي تعتمد على تحفيز الجانب الإبداعي فيهم، وكذلك العملية التي تؤهلهم لمواجهة الحياة والحالات الطارئة التي قد يقعون فيها مستقبلا.
غسان خروب



