فصل الشتاء من الفصول الجميلة التي تطل على دولة الإمارات بفطريات برية لذيذة، تنعش الأجواء العامة وتشعل حماسة هواة جمع الكمأة أو «الفقع» أو ما تعرف محليا «بالزبيدية» في ممارسة هوايتهم بالبحث عنها بين ثنايا الجبال أو تحت حبيبات الرمال. فما تشهده المنطقة الشرقية في هذا الوقت من السنة من خضرة وخير، دفع بالكثير من المواطنين ومحبي البر للخروج لممارسة هواياتهم في التقاط الكمأة أو الفقع، وجمع النباتات البرية الصحية التي تنمو مع موسم هطول الأمطار وجريان الأودية.

ويعتبر موسم الفقع من أفضل مواسم السنة عند البدو والحضر الذين يستمتعون بحصاد الفقع أو الكمأة في مواطنهم وما يحيط بها، فبعد أن تغتسل الأرض بماء الحياة وتخضر ربوعها ينطلقون بحثا عنها في مناطق وأراض يعرفونها، ولم لا والفقع جزء من منظومة الحياة البسيطة التي عاشها أجدادهم وتوارثتها العائلات الإماراتية كعادة جميلة كل عام.

فدائماً ما يحرصون على اقتناء وأكل ما تجود به الأرض من خير في موسم المطر، فالأمطار الموسمية التي تصاحبها الرعود تؤدي لاخضرار الأرض بعشب الفرح بالشتاء، وترتج طبقاتها العليا لتخرج «نبات الرعد» من باطنها. حيث يبدأ التنافس في ما بين الباحثين عن جمع أكبر كمية من «الفقع»، الذي يصبح إذا ما كثر من أثمن الهدايا التي يتداولها الناس في هذا الموسم.

فمع نهاية موسم «الفقع» يتضاعف سعرها ليصل سعر الكيلو الواحد إلى مئة درهم إماراتي إيذاناً بانتهاء موسمها الفعلي. ويعد موسم جمع الفقع من المواسم الفريدة في دولتنا بسبب قلة مواسم المطر ففي الغالب ما يكون موسماً واحداً فقط لا يأتي سوى مرة واحدة في العام، إذ تبرز هذه الفطريات اللذيذة بعد اشتداد البرق والرعد، الذي يعد المكون الرئيسي لهذا الفطر، لأن البرق يعمل على تكوين أكسيد الأزوت في الهواء الجوي وتذوب هذه الأكاسيد مع مياه المطر ثم تسقط على الأرض. ويتسبب الأزوت في نمو هذه الفطريات (الفقع) لذيذة الطعم ذات الرائحة العطرية.

لذا فقد أطلق عليها اسم(بنت الرعد) والفقع فطر غير مزهر يشبه درنات البطاطس في الحجم، ولا جذر له ولا ساق وينمو مطموراً في التربة ثم تنشق الأرض عنه من غير جهد للإنسان، وغالبا ما يتشكل بعد مرور ما يقارب السبعين يوماً من أول يوم لسقوط الأمطار.

وفي الغالب ينمو الفقع في جماعات قريبة حول نباتات معينة يستدل بها كنبتة يطلق عليها الأهالي (الرقة أو الأرجه) تشتهر بأنها الجارة الأساسية الدالة على الكمأة التي تحتضنها وتربيها. ونادراً ما يجد الباحث نبتة فقع منفردة فلابد إن يجد حولها واحدة أخرى أو أكثر. والمتعة ليس في شرائه بل في تحمل الصعاب في التقاطه والاهتداء إليه في منابته حيث ينمو، سواء أكان ذلك للأكل أو البيع أو الإهداء.

ولقد ارتبط الفقع بوجدان شعب الإمارات وثقافتهم الشعبية وخير مثال على ذلك من خلال إحدى الأغاني التراثية التي ترددها البنات :الفقاع في الرقاع والرجه متفرجه، الزبيدي حق وليدي والخلاصي حق راسي.

قيمته الغذائية

و«الفقع» ذو قيمة غذائية عالية وله مكانة ممتازة كطعام فاخر عند الكثير من شعوب العالم فهو غني بمصادر البروتين الغني بالأحماض الأمينية الأساسية، لذا تستخدم كبديل للحوم وهي غنية بالفيتامينات خاصة فيتامين «سي» بينما محتواها قليل جدا من الدهون.

ويميل طعم هذا الفطر إلى طعم كلية الذبيحة فهو قريب جدا من نسيجها الهش رغم التلاحم القوي فيها. وليس من السهل إعداد وأكل الفقع إذ يحتاج إلى مجهود في تنظيفه من الأتربة والرمال، عبر نقعها في الماء لفترة ثم التخلص من جلدتها، لتحضيرها للطهي. وكلما مال لون «الفقع» أو «الزبيدية» إلى اللون الأبيض كلما كانت ألذ وأفضل في الطعم.

ومن أنواع الكمأة بمسمياتها الشعبية الدارجة على ألسنة الاهالي (الزبيدي واليبا والفقع ولخلاص ) ومرد معظم هذه المسميات الشعبية نسبة أنها من فصيح كلام العرب. قيل في لسان العرب : الكمأة هي التي إلى الغبرة والسواد. والجبأة إلى الحمرة. والفقعة البيض.

ابتسام الشاعر