أوراقه الرسمية تفيد أنه أصبح من عمر التاريخ، إذ طوى من عمره قرناً وأربعة عشر عاماً.. «عمري كتير كتير».. أما عندما يُسأل عن سر عمره الطويل، فهو لا يجيب إلا بعبارة واحدة، مرفقة بابتسامة: «بعدْني شبّ (شاب)، وشيخ الشباب كمان.. أنا قضيب بولاد وأوقات بحسّ إنو بعدْني ولد».

داخل إحدى الغرف في مستشفى «دار العجزة الإسلامية» (بيروت)، والذي بات احد شواطئ الأمان لمن دخلوا العمر الثالث وحزِمت شيبتهم داخل حقائب الترحيل إليه، يجلس محمد الحجيري، أكبر معمّر في لبنان، وكأنه يبحث عن أحد ما.. يسأل الممرضة التي تهتم به: «وينها؟ إجت؟».. لكن من هي الضيفة هذه؟، تجيب الممرضة أنه بانتظار «العروس».. يضحك الحجيري من كل قلبه ويعلّق بلهجة بعلبكيّة: «إيه إيه العروس.. وعدتني تجي ولهلأ بعدها ما إجت».

وتعود قصة «العروس» إلى أحد أيام يناير من عام ,2008. يومها، أدخِل الحجيري إلى دار العجزة بعد أن بدأ يعاني من صعوبات في التنقّل والاستقلالية، فقامت إحدى الطبيبات بزيارته، وكانت ترتدي حينها لباساً أبيض.. ومنذ ذلك الوقت، وهو ينتظر الطبيبة بثوب الزفاف لتصير زوجة له.

أما بطاقة هويته المرفقة بملّفه في الدار، فتشير إلى اسمه الكامل: «محمد رشيد الحجيري/ مواليد عرسال (بلدة في البقاع الشمالي) عام 1895/ اسم الأم: فاطمة الحجيري/ الوضع العائلي: أرمل ولا أولاد/ المستوى العلمي: أمّي/ غير مدخّن ولا يخضع لأي علاج دوائي/ المرض: ضعف سمع حادّ».

ولِد في ذاك العام من أبوين لبنانيين، وهو أكبر إخوته الخمسة.. ومنذ الصغر، عمل مع والده في مجال الزراعة، كما عمل لفترة في بناء المنازل في قريته، مستخدماً الحجر الرملي.. تزوّج في العقد الخامس من العمر، وانتقل للسكن مع زوجته نجلاء في الضاحية الجنوبية لبيروت.. وبعد سنة من انتقاله، توفيت زوجته، قبل أن ينجب منها ولداً. عاد بعد ذلك إلى قريته عرسال، حيث مكث هناك وعمل في البناء مجدّداً، حسب الرواية التي قصّها ل«البيان».

ولم ينس الحديث عن «الجنس اللطيف اللّي انخلَق الكون كرمالو»، والشوكولا التي يحبها كثيراً، وبيوت القرميد الأحمر في ضيعته، والسؤال عن إبن أخيه حسين، وهو الشخص الذي يزوره باستمرار ويهتمّ به «الله يرضى عليه رضا قلبي وربّي».. يسرد الحكاية بإتقان، وهو الذي لم يغلبه تعب السنين، بل غلبه الشوق إلى جذوره المقطوعة قسراً.

والتي جعلت أقدامه ضائعة في كرسي متحرّك. يسكت للحظات، وينظر إلى البعيد كمن يلملم أفكاره، ثم يشرع بالحديث عن ماضيه وعن مستقبله مع العروس التي ينتظرها.. «عندي كرْم (بستان) بضيعتي عرسال.. الطقس هونيك كتير بارد، بس بحنّلّلو (أحنّ إليه)، وبحنّ للأيام الحلوة اللي قضّيتها مع مرتي نجلا، المسكينة ماتت صبيّة، كنت بحبّها كتير وما تجوّزت (تزوّجت) من بعدها».

«كنت اقطع مسافات كبيرة كتير على إجريّي (أرجلي) أو على الدواب، وما كنت إلتفت للماكينتين (السيارتين) اللي كانوا ببيتنا.. إيه كان عنّا ماكينتين، وكانت كل أيامنا عزّ».. بهذه العبارة، يستهلّ حديثه عن العادات الغذائية التي كان يتّبعها: «ما كنت آكل إلا السمْن العربي والبرغل والعدس والعسل، والكشك والقورما، والخُضْرة والفواكه بموسمها»، ليشير إلى أنه لم يزُر الطبيب إلا نادراً، ولينفي أن يكون قد اتبع حمية معينة أو مارس الرياضة، إذ كان يكفيه عمله في الأرض «الغالية»، وفق تأكيده.

وإذ لا يكثر الحجيري الكلام عن «نجلا»، بعد أن قرّر أن يتزوج مجدّداً، ينتقل بالحديث ليحكي ممازحاً عن مواصفات العروس: «بدّي ياها بيضا (بيضاء اللون).. لا قصيرة ولا طويلة، وسط.. ما بيهمّني عمرها، بتجوّزها (أتزوجها) حتى لو كان عمرها 70 سنة.. بس بفضّل تكون صبية حتى نخلِّف أولاد».. ومع اكتمال مواصفات «العروس»، يتابع الحجيري التخطيط لمستقبله: «لح إبنيلها بيت كبير بعرسال.. لأ، قصر مع حديقة واسعة وبيسين (مسبح) كمان، ونعيش هونيك.. وبدّي سمّي إبني البِكر رشيد على اسم جدّو اللي كانت كل الضيعة تحلِف بحياتو (تقسِم بحياته)».

و«من دون مزح»، وفق تعبيره، ينتقل الحجيري إلى الجدّ، ليلفت إلى أن مواصفات العروس «لا تهمّ«: «شقراء أو سمراء، جميلة أم قبيحة».. لا فرق.. فالمهمّ أن تكون «عادية وطبيعية وحنونة، وبتعرف تطبخ»، وأن يعقد قرانه عليها فوراً، واعداً بتنفيذ «شو ما بدّها»!

بيروت ـ وفاء عواد