قبل 35 عاماً تسلم الأمير سعود الفيصل المهمة الصعبة، إذ كلّفته القيادة في ظروف داخلية وخارجية صعبة أن يكون صوت المملكة العربية السعودية وعقلها الدبلوماسي وراسم سياستها الخارجية.
عمره شارف على السبعين ولا يزال يحظى بهمّة الشباب رغم أن المرض يحاصره، وتحديداً عموده الفقري منذ عقود، إلا أن عشقه للعمل أبقى العمود الفقري للسياسة الخارجية السعودية صلباً في كل المواقف، في منطقة لا تكاد تفيق من أزمة حتى تدفع دفعاً إلى أخرى. كثيرون يختلفون مع سياساته، وكثيرون تحدثوا عن تقاعده واعتزاله العمل السياسي مع تكاثر الأوجاع على بدنه، ولكنه كان يزداد نشاطاً بعد كل وعكة، وبعد كل عملية جراحية.. ومن ينسى سفره مئات الكيلومترات لتمثيل بلاده في قمة العشرين الاقتصادية التي عقدت في مدينة بيتسبيرغ الأميركية قبل خمسة شهور تقريباً بعد أيام من جراحة في رقبته، متوكئاً على عكازه.
«هو درب لم نرتده بل فرض علينا».. قد يكون هذا لسان حال الأمير سعود الذي وجد نفسه بعد أسابيع قليلة من اغتيال والده وشغور منصب وزير الخارجية (الذي احتفظ بحقيبته الملك فيصل بعدما أوتي الملك لمعرفته بحساسية المرحلة التاريخية) مطالباً من قبل قيادة الملك خالد بتسلم وزارة الخارجية.
هذا ما أوصى به فيصل ولي عهده خالد، الذي لم يجد بدوره عضيداً يسند إليه، وعليه، سياسة البلاد الخارجية إلا سعود الذي كان حتى رحيل والده وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية. لكن والده كان يعي ما يملك من ثروة تؤهله أن يكون لسان السعودية ولسان العرب في المحافل الدولية.قد يكون الآن يتمنى لو أنه بقي في تلك الوزارة، لكنه لم يكن بعيداً، فهو عضو في المجلس الأعلى للبترول الذي يرسم السياسات البترولية للمملكة.
عميد وزراء الخارجية العرب، والعالميين أيضاً، حاصل على شهادة جامعية في الاقتصاد من إحدى الجامعات الأميركية في العام 1964 وشّق طريقه العملي عبر وزارة البترول ثم المؤسسة العامة للبترول مسؤولاً عن مكتب العلاقات البترولية الذي ينسق العلاقة بين الوزارة والمؤسسة، قبل أن يشقّ عليه والده ويورثه وزارة الخارجية، التي حرمته من النوم ليالي كثيرة، وأثقلت عليه بأوجاعها. فهو أجرى أكثر من مرة عمليات في الرقبة، ويتردد على نطاق واسع إصابته بالارتعاش الذي يؤثر على حركتي يديه ولسانه.. فضلاً يتقن حوالي تسع لغات هي إلى جانب العربية والإنجليزية، الفرنسية والإيطالية والبرتغالية والألمانية والاسبانية.
قال عنه وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير إنه من «أكبر الساسة في العالم حنكة وحكمة».. فيما قال عنه وزير خارجية بريطانيا ديفيد ميليباند إنه منح السعودية قوة خارجية لا يستهان بها.أما الرد على من يرون فيه متأثراً بالسياسات الأميركية فيأتي على لسان عضو في الكونغرس الأميركي الذي قال: لو سمع جورج بوش كلام سعود الفيصل لكان أغناه عن مستشاريه في الشرق الأوسط.
ومع كل ما يحيط بمهمة وزير الخارجية من مشقة وملفات حساسة تستلزم مواقف صارمة بلا مواربة تمكن سعود من أن كالفيصل (السيف) في تحديد مواقف بلاده، وكثيراً ما أثار تعجّب، وإعجاب، مضيفيه الدوليين لجهة صدقه وشفافيته.
يبدو الأمير سعود «شاعراً» وإن لم يمتلك ناصية الشعر كأخويه غير الشقيقين عبدالله وخالد، فكلماته لها وزنها الخاصة، وموسيقاها، ومفاعيلها.. وهي تعتبر بوصلة السياسة السعودية. وبعيداً عن السياسة، يعشق قيادة السيارات بسرعة، ويقال إن من هواياته الطيران ولكن يبدو أن هذه الهواية فرضت عليه فرضاً.. إذ يقدر المراقبون انه أمضى في الجو حاملاً ملفاته السياسية أزيد عن 20000 ألف ساعة.
لا يحب الكشخة (الترف)، ولا الظهور الإعلامي، ويعرف عنه خفة الظل.
نضال حمدان
