كانت بيوت الشارقة القديمة في مناطق المجرة والبطينة ومنطقة شرق تمثل لوحة يمكن الرجوع إلى تفاصيلها للاقتراب من أطر الحياة التي شهدتها فترة الستينات، فالبيت كتصميم معماري مضافة إليه زخارف أية فترة يعطينا فكرة عن نهج تفكير معاصري تلك الفترة.

ولكي نكون منصفين من البداية وواضحين في تناولنا الخاص لما حدث ويحدث من إزالة للبيوت القديمة في المناطق سالف ذكرها، لابد وأن نشير إلى منطقة قرية التراث في الشارقة والتي اهتمت حكومة الشارقة بترميم بيوتها وجعلتها مزارا ومرجعية للباحثين في الفن المعماري القديم، بل وجعلت منها متاحف صغيرة تضم المقتنيات الخاصة لأصحاب تلك البيوت، ونتفق أيضا أن مسألة البحث عن حلول بديلة لإزالة البيوت القديمة في المناطق المذكورة على امتدادها الكبير من حيث المساحة سيشكل معادلة صعبة للغاية.

وتتمثل المعادلة في المحافظة على هذه البيوت كونها إرث لأسلاف عظام بنوا هذه البيوت وعاشوا فيها فترة الزمن الجميل، وبالتالي هي تحمل بصماتهم وشيئا من رائحتهم، والشق الثاني من المعادلة أن زحف البنايات الحديثة قد طال هذه المناطق وأصبح المشهد العام ملدتبسا ومؤذيا للعين، خصوصا وأن هذه البيوت هجرها أصحابها وتركوها على سبيل الإيجار لفئات من العمال ليسوا على قدرها وقيمتها التراثية من الناحية المظهرية والسلوكية وأيضا الأمنية.

زحف البنايات

فمن الناحية المظهرية نجد أن زحف البنايات الحديثةـ وهو أمر يفرضه تهالك البيوت تباعا أو رغبة أصحابها في التجديد واستثمارها بصورة جديدةـ قد أحدث معطيات جديدة على أرض الواقع، لتصبح اللوحة مشوهة تماما، فلا هي شعبية تراثية، ولا هي حديثة بكل متطلبات الحداثة، وأصبح المشهد مسخا بكل معنى الكلمة، ناهيك عن أن ساحات البيوت «القديمة» المفتوحة على الشرفات العالية للبنايات الجديدة المجاورة، قد أصبحت تفضح كل شيء وكل حركة في تلك البيوت.

وبالتالي تنتفي مقولة أن البيوت أسرار، هذا على افتراض أن عائلات تسكن هذه البيوت، فكيف يكون المشهد إذا كان سكان البيوت القديمة من فئات العمال وسائقي التاكسي وسيارات النقل وجميعهم عزاب؟ نعم .. 90% من سكان البيوت القديمة عزاب وينتمون للفئات التي ذكرناها. وبعيدا عن التشكيك في سلوكيات أحد في أوساط العزاب، على الرغم من الانطباع الذي يغلف تجمعاتهم، إلا أن الحقيقة المؤكدة تحيلنا مشاهد مظهرية وسلوكية على الأقل في ملابس هؤلاء السكان الذين لا يتورعون من الظهور «بالوزار» أمام هذه البيوت أو في ساحاتها الداخلية تحت أعين «الشرفات» المجاورة. أما أن يندس المقيمون بصورة غير شرعية أو الخارجين عن القانون بين جدران هذه البيوت فحدث ولا حرج.

مشكلة مستفحلة

هكذا وجدت بلدية الشارقة نفسها أمام مشكلة مستفحلة تتدحرج مثل كرة الثلج، ومسألة تركها لتحل مع الزمن سوف تطول وقد لا تأتي الحلول، فكان قرارها صارما بالإزالة بعد مهلة محددة، وجاء التنفيذ في موعده من دون تسويف أو وضع اعتبار لأية مجاملات لأية جهة أو أي شخص، فتهاوت البيوت تباعا تحت ضربات الآليات، ووجدنا أنفسنا أمام مشهد مرعب للذاكرة التراثية على الأقل من ناحية الحنين إلى الماضي، وبدت الأنقاض كأنها مخلفات حرب طاحنة، ففاضت الكلمات بحيادية مجردة وبعيدة عن مباركة قرار الإزالة أو نقده، في ظل نظافة «الحروف» من الأهواء.

بينما كانت الآليات منهمكة في اجتثاث الجدران وسط تصاعد الغبار في منطقة المجرة، يقف المارة مشدودين بفضولهم الأزلي يتابعون تساقط الأحجار واحدا تلو الآخر، ربما ظهرت في عيونهم بعض نظرات التأسف على شيء ما، ربما كان أحدهم من سكان البيت المنهار، يودع للمرة الأخيرة ركنا من غرفة حفظت أسراره، ربما كان لآخر ذكريات نقشها على الجدران.

ومن شرفة عالية في مبنى مجاور، تطل العيون لتسجل الفصل الأخير في رواية ظلت تطالعهم صفحاتها كل صباح، لكن المؤكد أن آلية ماضية في عملها، أبواب ونوافذ مهشمة تحت الأنقاض، وزخارف مبنى تناثرت هنا وهناك، ترى أية يد تلك التي صنعتها؟

وأي عامل بناء ثبتها جوهرة تزين واجهة الدار؟ وهذه النقوش التي ما زالت ملتصقة على بقايا الجدران المهدمة، هل تذكر كم من الأعوام مرت عليها منذ أن نقشتها يد ذلك العبقري في زمانه؟ وهناك على مسافة غير بعيدة.. ما زال الباب العتيق على حاله، متشبث بجانب من مدخل أجلت هدمه الآليات، وعلى مقبض الباب بصمات عتيقة لأناس مروا من هنا بعدما شيدوا البناء، وصاغوا من البساطة إرثا يستحق منا وقفة إجلال واحترام.

أشجار شامخة

وفي منطقة شرق، انتهى كل شيء حيث كان معول الهدم الأول هناك، لقد رفعت الأنقاض ولم تتبق سوى الأشجار التي كانت في يوم من الأيام جزءا من البيوت، بقيت الأشجار شامخة كعادتها ولكنها تبدو وكأنها بضع شعيرات في رأس أصلع، ترى ما هو مصير هذه الأشجار عندما يراد زرع كتل أسمنتية مكانها؟ نعم .. بعضها اجتثت من جذورها فأبت إلا أن تنبت فروعا جديدة على هيئة وريقات تتحسس طريقها إلى الحياة مرة أخرى. لقد اختفت البيوت القديمة من المنطقة، وبدت البنايات الجديدة متناثرة ومتباعدة وكأنها تتنفس الصعداء.

وفي البطينة تبدو الصورة أكثر قسوة نظرا لتقارب البيوت التي تم هدمها وعددها الكبير، علاوة على أن عملية الإزالة جاءت في وقت واحد، فأصبحت أحياء المنطقة القديمة ركاما بين ليلة وضحاها، الهدم جديد في المنطقة، وما أبديناه من تعاطف مع الشجر في المناطق السابقة، رأيناه وقد جسدته آليات الهدم في البطينة، هنا شجرة عمرها من عمر البيت وقد تلاحمت مع بقايا جدار عجزت الآلة عن الاقتراب منه، هذا التلاحم بين الجدران والأشجار رأيناه في أكثر من بيت من بيوت المنطقة وما زال حتى باقيا على حاله وحتى إشعار آخر، لكن الأمر مختلف مع أشجار النخيل التي يتم اجتثاثها من «طينها» لكي تزرع في مكان آخر.

أخطار

غرف إضافية من الخشب والصفيح

تختلف البيوت التي شملها قرار الإزالة في نظافتها وشكلها الخارجي، فهناك بيوت لا تزال محافظة على نقوشها وزخارفها القديمة، كما أنها لم تخضع لأية إضافات من البناء العشوائي مقارنة مع النسبة الكبرى من البيوت التي أضيف إليها غرفا من الخشب بغرض التأجير، وهذه البيوت الأخيرة أصبحت شبيهة بالعشوائيات وهي التي عجلت بتنفيذ قرار البلدية بالإزالة.

ويلاحظ أن بناء غرف إضافية في تلك البيوت واكبها زيادة في عدد الساكنين خصوصا من سائقي سيارات الأجرة والنقل، ما يعني تكدس السيارات في الشوارع التي أصبحت مجرد طرقات ضيقة بالكاد تسمح بمرور سيارة واحدة، والملاحظ أن الشوارع عادت إلى حجمها الطبيعي بين البنايات التي تم بناؤها على أراض كانت بيوتا من قبل.

ومع ذلك ستظل مشكلة مواقف السيارات قائمة في هذه المناطق، لكن لاشك أن كثيرا من المشاهد والسلوكيات ستختفي بإزالة البيوت القديمة، خصوصا تلك التي جارت على الطرقات بجدران جديدة من الصفيح، أو تلك التي تخطيء في طرق توصيل الكهرباء فتعرض البيوت المجاورة لأخطار حرائق محتملة.

عز الدين الأسواني