ينسابون من سيارات الدفع الرباعي التي استقرت على بطن تلة رملية صغيرة، رجال ونساء وأطفال من مختلف الأعمار تجمعهم صلات القرابة والنسب والصداقة، أياديهم مكتظة بالأكياس والمعدات واللوازم الأخرى للاستمتاع برحلة برية منتظرة نهاية الأسبوع.. وغير بعيد عنهم انتصبت مجموعة من أشجار الغاف وشبيهاتها من نباتات الصحراء، فارشة تحتها مساحة رملية مغطاة ببرودة الصحراء في فصل لا ترشح عنه سوى ملامح المتعة والإثارة والتشويق والمرح والتسلية وبقية الأجواء الاجتماعية الأخرى والإيجابية.
خالد عبيد مواطن أربعيني من دبي يختار لنفسه وعائلته وأقربائه في شتاء الإمارات من كل عام موقعاً شبه محدد من البر الصحراوي المبتعد نسبياً عن إمارة دبي، يخرج إليه مرة على الأقل في الأسبوع.. ذلك المكان بالنسبة لخالد أصبح جزءاً من خصوصيات حياته وعائلته، يعشقه حد ما يوفر له من متعة تستقر في نفسه طويلاً ويحافظ عليه باعتباره شيئاً من كيانه الخاص، وفي قليل من المرات لا يروق له أن يسبقه أحد إلى ذلك المكان، لأنه يراه حقاً مسجلاً باسمه كما يقول.
البر على اتساع أفقه يجسد حالة تواصل إيجابية مع آلاف العائلات المواطنة والمقيمة في الدولة، التي تختار لنفسها التمتع بنفحات من الطبيعة على مدار شهور طويلة من شتاء الإمارات، وهو المكان الوحيد الذي يطيب لساكنيه البقاء فيه أطول مدة ممكنة دون أن تداهمهم حالة ملل كما يقول عبيد.
موسم الحفلات
في كل عام.. مع تحسن حالة الطقس ودخول شيء من البرودة إلى أجواء الإمارات عامة، وبدء موسم إجازات الأعياد ومنتصف العام الدراسي تستعد الأسر لقضاء أجمل الأوقات في أحضان الطبيعة بما يضمن التخييم وإقامة حفلات الشواء التي تجمع حولها أفراد الأسرة من الأجداد والآباء والأحفاد، ومن أجل ذلك تستعد العديد من العائلات بتجهيزات متفاوتة تكفل لها الاستمتاع في رحلات برية يريدها الجميع نهجاً وتقليداً يضمن لهم العودة إلى الطبيعة والبحث عن الهواء البارد والنقي، الذي يوفره شتاء الإمارات.
وفي تلك الأجواء لا يتسع الموقف إلا لمشتقات المتعة والتسلية والألفة وما جاورها، الجميع ينسجم على قلب رجل واحد، يتبادلون الأدوار بسلاسة تامة، ويقومون بشتى الأعمال اليدوية، فيما تظل الخادمات جزءاً من الحفل الصحراوي الكبير؛ لهن فيه ما لغيرهن من الحاضرين، كما يؤكد خالد.
في البر هناك متسع لممارسة مختلف أشكال المتعة الشبابية والعائلية، يطول الحديث ولا يمكن الإلمام بها، حيث لكل فريق عائلي اهتمامات محددة، ولا يفارق التلال الرملية القريبة من تجمع العائلات ضجيج منبعث من الدراجات الصحراوية، والكرات تتناثر في كل اتجاه، والبعض لا يتوانى عن اصطحاب التلفاز إما في السيارة أو في الهواء الطلق أملاً في متابعة بعض المباريات والبرامج المسلية، وغير ذلك الكثير.
النظافة مبدأ
ومن أجل الاستمتاع بكافة تفاصيل الرحلة البرية التقليدية التي ينتظرها خالد وأسرته الممتدة في مختلف المناسبات، يحرص الجميع على معاملة المكان الذي يستظلون بخيرات جماله وهدوئه، على أنه جزءاً من بيت العائلة.. النفايات لها مكان محدد، ولا أحد يهمل في ذلك، والأمور تسير على نحو تقليد متبع لدى الجميع في تلك الزمرة الخارجة إلى البر، لأن الصحراء لا يمكن أن تحافظ على جمالها طويلاً طالما أن قاصديها يؤذونها بنفايات لا طاقة لها على استيعابها.
هذا الواقع لا يبدو سمة غالبة لدى الخارجين إلى البر للاستمتاع بأجواء شتوية خارجة من قلب الطبيعة الإماراتية، فعائلات كثيرة تتعثر وسط الرمال باحثة عن مكان يخلو من الأكياس والنفايات التي أخذت تشوه مكاناً وُجد ليبقى جميلاً وحسب.
عبدالله الحبسي يعشق الخروج إلى الصحراء ضمن مجموعات شبابية تبحث عن المتعة والتسلية في أجواء لا تشبه روتين المدينة، ولكنه يبدو ممتعظاً إلى الحد الذي لا يبدو عادياً لكون الكثير من قاصدي البر في الإمارات الشمالية لا يتركون المكان نظيفاً.
جريمة الإهمال
يقول عبدالله إنه خرج قبل أيام مع مجموعة من أصدقائه إلى منطقة قريبة من إمارة عجمان، وظلوا يبحثون لأكثر من ساعة عن مكان مقبول للبقاء فيه، وفي الغالب كانت الأماكن التي استساغوها بنظرة عن بعد مكتظة بنفايات ومخلفات عائلية لا يمكن البقاء في القرب منها، ومنها «حفاظات» للصغار، وذلك الواقع كما يضيف الحبسي يعد «جريمة» بحق البر الذي أوجده الخالق جل وعلا من أجل إضفاء متعة على قلوب الجميع، وهو ليس حكراً لأحد يتعامل معه بلا أدنى مسؤولية واحترم.
سر تعلق الإماراتيين بالخروج إلى الصحراء والتخييم في البر، لا يبتعد عن كونه ارتباطاً وجدانياً يحاكي إحساس الأصالة لدى الجميع، والمواطنون بشكل عام مرتبطون بالصحراء بشكل قوي، فهي البيئة التي تحيط بهم وتنسج لهم مختلف ملامح الأصالة والبقاء كما يؤكد الشاب أحمد الكعبي، الذي يضيف أنه ومنذ كان كان صغيراً ظل يرافق والديه والأهل في رحلات العائلة البرية، للإمساك بمتعة التخييم والبقاء في قلب الصحراء لساعات متأخرة من الليل في بعض المرات.
مكب للنفايات
الكعبي يضيف أن هذا الواقع الذي تربى في رحابه يبدو الآن مختلفاً بعض الشيء، وقد أمست الصحراء مكتسية بخضرة الشتاء ومكتظة بالعائلات الآتية من كل حدب وصوب، وذلك الواقع الذي من المفترض أن يضفي على الصحراء مزيداَ من ملامح الألفة والأنس والاستمتاع، كشف للأسف عن سلوكيات لا يجيزها العقل ولا الشرع، وهي تتلخص في تعاظم نسبة الإهمال في الصحراء وجعلها مكباً أفقياً لنفايات تبقى ويغادر تاركوها إلى المدينة.
العديد من الخارجين إلى الصحراء في تقليد إماراتي نشأوا في ظلاله، يشتكون بصوت مرتفع، سلوكيات عائلية لا تليق أن تصدر من إنسان وهي تشوه ملامح الجمال في طبيعة وجدت بكرم رباني من أجل الإنسان، فالمناطق الكثيرة الممتدة على أطراف المدن والبلدات الصغيرة لم تعد تضخ كماً من المتعة يبحث عنه الخارجون إلى الصحراء لسبب وحيد وهو تعاظم حدة القسوة التي يفرضها الإنسان على مكان جميل تكسوه الخضرة والعذوبة الطبيعية..
أكياس بلاستيكية تتطاير في كل اتجاه وأكوام من النفايات تنغص ظلال شجرة ولا يأبه بها مهملها، وسواها من المشاهد المستفزة التي لا تطيق العين رؤيتها في ذلك المكان.. فما أكثر الملامح التي تشوه البر، وهي تبدو جلية نهاية كل إجازة ينجرف فيها الجميع بعيداً عن روتين وضجيج المدينة، وذلك بالفعل جريمة بحق براءة الصحراء.
فرق مراقبة
أيد خالد عبيد فكرة أن تتولى البلديات على مستوى الدولة مهمة المراقبة والتثقيف للخارجين إلى الصحراء، خاصة في ظل تزايد أعداد الباحثين عن المتعة البرية على مستوى الإمارات، مطالباً البلديات ضرورة الإبقاء على فرق تابعة لها تجوب الصحراء وتؤمن أجواء ناصعة للجميع، خاصة يومي نهاية الأسبوع وفي الإجازات والأعياد الرسمية في فصل الشتاء.
ورأى عبيد أن توزيع النشرات التثقيفية وتكثيف الدعوات للأسر والتجمعات البشرية في الصحراء، حول المحافظة على نظافة المكان وتركه خالياً من المخلفات، أمر ضروري في هذا الوقت بالتحديد، مشيراً إلى أهمية فرض غرامات مالية كبيرة على المخالفين والمستهترين، وذلك من قبل فرق الرقابة الصحراوية لإجبار الأشخاص السلبيين على الاعتدال في سلوكهم الاجتماعي والبيئي، وللإبقاء على جمال الصحراء وخضرتها حقاً للجميع في أي زمان ومكان.
موسم الهجرة إلى البر
أجمع مواطنون ومقيمون على أن شتاء الإمارات الممتد بين شهري نوفمبر وأبريل يشهد واقعاً أشبه بالهجرة إلى البر بحثاً عن أجواء إيجابية لا يمكن توفرها في مكان سواه، لا سيما في ظل واقع وظيفي يحتفظ بالروتين على مدار العام، مؤكدين أن سكان الإمارات عامة يحلون في شتاء كل عام ضيوفاً على الصحراء والحياة البرية التي توفرها.
وهو ما يفرض على الجميع مراعاة الضوابط والتقاليد الأصيلة النابعة من أصول الزيارة والضيافة، لا أن يتركوا الصحراء التي تتسع لهم كرماً وعطاءً على النحو الذي يسيء إلى الطرفين، ومشيرين إلى أن مبدأ المحافظة على نظافة المكان في قلب الصحراء مرتبط بشكل صريح في هيئة الشخص في بيته ومحيطه وعمله، وهو بالتحديد حس أدبي واجتماعي وديني
عنان كتانة



