اختتمت فعاليات الدورة الرابعة مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، في وقت متأخر ليلة أمس، بحضور معظم ضيوف المهرجان، وتوزيع شهادات تكريم على الفرق المشاركة، وستتابع (البيان) غداً تفاصيل حفل الختام.
وكانت البحرين قد قدمت مشاركتها في المهرجان، بعرض حمل اسم (نعيمة)، وهو كما يتضح من العنوان يحكي عن شخصية نعيمة، كمثال عن حضور الأنثى في العالم العربي، والمشكلات اليومية التي تصادفها في معركتها مع الحياة، ليكون لها حضور وفاعلية.
وثمة الكثير من الإشارات التي قدمها المخرج والمؤلف ابراهيم بحر في عرضه هذا، تجعله من نماذج قدمت المونودراما العربية التي تتعلق بالمرأة. وربما كان العمل شبيهاً بمسرحية عيشة التي قدمتها الفنانة القديرة الراحلة مها الصالح، قبل نحو عشر سنوات من الآن، وحققت بها حضوراً كبيرا لفن المونودراما في العالم العربي، إذ ان هناك شبهاً واضحاً، لجهة معالجة شخصية الأنثى في هذا العرض بعيشة، وربما في بعض التفاصيل أيضاً.
(نعيمة) هي تلك الانثى القادمة من عالم الدهشة والبراءة والحب، ولدت مع الواقع من أجل أن تحقق نبوءة اجتماعية ما، تجعلها تعاني من قسوة الحياة بكل اشكالها وتمظهراتها، وليس هناك من حل إلا أن تروي حكايتها، وتقدم تفاصيلها لمن يرغب بالاستماع اليها، ربما بذلك تتحول الى صوت محدود التأثير بحكم علاقة المجتمعات العربية مع الأنثى، حسب وجهة نظر النص الذي كتبه المخرج.
سعت الممثلة غادة الفيحاني لتقديم قراءة إبداعية لنص بحر، وتحركت ضمن فضاء النص حركة فيها الكثير من الاجتهاد، ولكن تماس النص مع الصيغة الكلاسيكية له، جعله قريبا من تقييد الممثلة بجمل حوارية مكررة، لا تضمن اكثر من حالات انفعالية مكتوبة ومقيدة لحركة الممثلة. ولعل حلول المخرج على الخشبة لم تتح الاستفادة من عمق هذا العرض والتوجه الحياتي له ، بناء عليه غابت ملامح المأساة.
وساء العرض ان يقوم المخرج بذر نشارة الخشب في النهاية، لدرجة جعلت الكثيرين يتحسسون من هذا الاقتراح، وقد انطلقت موجة سعال سادت الصالة، عقب انتهاء العرض، من دون ان يراعي المخرج صغر الصالة، وتوقف أجهزة التكييف فيها.
الذاكرة المحبطة
(ذاكرة الوجع والمسرة) هو العرض الإماراتي الثاني المشارك في مهرجان الفجيرة للمونودراما، بعد عرض (الذي نسي ان يموت). وهو من انتاج هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام على اعتبار انه النص الفائز في مسابقة المونودراما العربية للعام الماضي، والنص كتبه الممثل والكاتب العراقي فيصل جواد الذي قام بإخراجه أيضاً، وتمثيل محمود ابو العباس.
وأتيح ان نطلع على النص المقدم الذي يحمل ذاكرة ، هي حاضرة لدى معظم العراقيين، وهم يتابعون يوميا حملات التفجير والاعتقالات والقتل والدمار في وطنهم، منذ زهاء الست سنوات، وبالتالي ما الذي سيفعله الفن ازاء هذا الأمر؟
ونعتقد أن نص ذاكرة الوجع المتهم البريء في هذا العرض، يعانق هذه المراحل إذا هو جدير بالاحترام والتقدير، ومن هنا نجد فيصل يحكي ذكريات رجل قرر ان ينفي نفسه داخل منزله، كي يبدأ بسرد تلك الذاكرة ضمن، ما يمكن أن نقول عنه، استعادة لتفاصيل عاشها خلال فترات متقطعة.
ونظراً لظروف كثيرة تأخر إنجاز هذا العمل، وقد رشح له اكثر من ممثل وعلمنا ان الفنان العراقي جواد الشكرجي كان أحدهم، ولكن في النهاية حط العمل الرحال عند محمود ابو العباس، الذي بدا وكأنه يسعى بكل ما أوتي من جهد لتحويل هذا النص، الى مادة قابلة للحركة على الخشبة، ورسم على ما يبدو خطا لحركة الشخصية، ومعالجة حركية للتصورات الفكرية التي يحملها النص، ولكن المشكلة حقا أن النص يعد مادة صعبة الترجمة الى حركة مسرحية.
وهي ستحتاج الى عين ثالثة حتماً، لإتمام هذا الأمر.. عين تجعل من النص المكتوب مادة قابلة للتأقلم مع ظروف المونودراما، ذلك ان فيصل جواد يعشق الكلمة التي تحلق في فضاء لغة غير عادية، وتنتمي لعوالم العواطف المعقدة والفلسفات الحياتية المدهشة، وكل هذا يجب ان يصب في فضاء العرض، ولكنه يمضي لمدة عشر دقائق تقريباً، وهو يدخل في تفسير حالات إنسانية بمفردات ذات دلالات كثيفة الملامح، وهذا ما جعل حماس الصالة يفتر، الى ان انتقل العرض للمرحلة الثانية والتي اقترب فيها من حالة العراقي، ووضع العراق أساساً، و استطراداً من الحالة المسرحية بالدرجة الاولى، ضمن الإفادة من عمق المسرح والمقدمة.
وثمة عملية اعدام غير مكتملة الملامح، يقودها كرسي وحبل في مكانين مختلفين، وسرير لاعادة الولادة من جديد. ولربما استطعنا ان نسمي الحبل في الجهة اليمنى للمسرح بالماضي والكرسي بالحاضر، ونستطيع ان نتبين صراع الكراسي الذي يحدث الان في العراق. والسرير أخيراً للولادة وللمستقبل الذي قد يفضي الى شكل جديد من أشكال الحياة.. وهي عموماً حلول اخراجية فيها توظيف ذكي.
وحبذا لو مضى العمل ضمن هذا الاتجاه، بعيدا عن تلك الشعارات واللغة الخطابية، التي قللت من أهميته وشحنته، كما كان يحدث في مسرح الستينات، بحيث ادخلت الممثل في مرحلة من مراحل الصراخ، الذي لا طائل منه، وعموماً تبرز هذه التجربة كشكل من أشكال محاولة تذليل النصوص الذهنية، وتطويعها مسرحياً. ولكن ثمة اشارات استفهام تتساءل عن امكانية اعادة تقديمها في المستقبل، ضمن رؤى فنية مختلفة.
(ذاكرة الوجع والمسرة) يحتمل الكثير من التفسيرات، ولكن كلها ستصب باتجاه تحويل النص من نص ذهني، إلى نص قابل لتجسيده حركياً على خشبة المسرح، وسنستمع إلى من يقول إن ذريعة الوقت كانت حاضرة، وسيكون ردنا أن المسرح يحتاج الى الوقت، كي تنضج التجارب، وتكون قريبة من الجرح .. في زمن الموت.
لقاء تكريمي
ضمن الانشطة المرافقة للمهرجان، تحلق الضيوف والاعلاميون حول الفنان الاردني نبيل المشيني، في جلسة تكريمية لتاريخه الطويل، ولعلاقته المهمة مع المسرح، وتقديمه الكثير من الاعمال المسرحية، قبل نحو أربعين عاماً، جعلت منه أحد المؤسسين للمسرح الاردني، بدءا من تقديمه لعرض الفخ عام 1963 ومرورا بتجارب عدة، قادته لأن يقدم مسرحاً خاصاً في بداية التسعينات من القرن الماضي .. حضر الجلسات معظم الفنانين المشاركين في المهرجان، وقدموا شهادات مختلفة لهذا الفنان القدير الذي استحق التصفيق، من قبل الحضور على ما قدمه خلال مسيرته الفنية.
إشادة
أشاد الشيخ راشد بن حمد بن محمد الشرقي رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام باختيار الفجيرة، مقراً ثانياً للهيئة الدولية للمسرح (اي تي اي)، التابعة لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة
(يونيسكو)، على مستوى العالم بعد باريس، بفضل ما تملكه دولة الإمارات والفجيرة من مقومات وعلاقات وأنشطة وبرامج ثقافية وأدبية، ومنها تنظيم الامارة مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، الذي يحظى بسمعة عالمية ومشاركة فاعلة من قبل مجموعة كبيرة من الفنانين والنقاد والمهتمين بالحركة المسرحية.
وقال الشيخ راشد: (إن ما يلقاه المهرجان من دعم واهتمام ومتابعة من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة يجعل الإمارة محط أنظار الباحثين عن الإبداع والتميز الثقافي والأدبي، لخدمة الحراك الثقافي كمنهج للحياة).
وأضاف قائلاً: (ان مقر الفجيرة من شأنه أن يساهم في إيجاد أكبر قدر من التعاون والتنسيق بين المنظمات والمؤسسات الثقافية، في مختلف الفنون، وتقريب الآراء والأفكار بين الشرق والغرب، خاصة وأن منطقة الشرق الأوسط زاخرة بمجموعة كبيرة من الأدباء والمفكرين في مختلف الفنون، وتستقطب أعدادا كبيرة من المناسبات والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والادبية.
من جانبه، رحب محمد سعيد الظنحاني نائب رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام رئيس المهرجان باختيار الامارة مقرا للهيئة الدولية للمسرح، مؤكدا أن الهيئة على استعداد لتوفير كل الإمكانيات التي تحتاجها الهيئة الدولية للمسرح، والعمل على فتح أفاق أوسع من التعاون لخدمة الفنون خاصة فن التمثيل.
الفجيرة - جمال آدم

