كلما تقدمت بنا الحياة خطوة على طريق التقدم والعصرية، استتبع هذه الخطوة تغيرات وتحولات في نهج التفكير عند الأجيال المتعاقبة، ومن البديهي أن يأتي كل جيل بفكر مغاير عن فكر سلفه ليتسنى له التعامل مع المستجدات الحديثة من حيث التقنية وطرق التعليم وغيرهما، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه المتغيرات في عملية الحراك المجتمعي سلبا أو إيجابا، ولعلنا في البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام نعاني كشعوب من هذا التغيير بحكم العادات المتوارثة وتعاليم الدين الملزمة.

وكوننا أيضا نتأثر بالمتغيرات فقط ولا نشارك في صنعها، وعندما نتحدث عن المتغيرات فنحن بالتأكيد نعني المسائل الأخلاقية والسلوكية التي كثيرا ما تشكل محور جدل بين الأجيال، والأسرة هي أول كيان يجد نفسه على المحك مع المتغيرات الجديدة كونها النواة التي تشمل الانقلاب على القديم، ويبدأ الانقلاب بالتمرد أولاً على أسلوب التربية التي يفرضه الآباء والأمهات على الأبناء، بدءاً من اختيار الملابس وأسلوب الحوار ؟ إن وجد- ليتبلور كل ذلك في كلمة واحدة هي العيب.

إلى هنا تبدو الأمور منطقية بعض الشيء، ومع توغل العصرية سريعا في مجتمعاتنا العربية، وتوالي القفزات نحو آفاق مغايرة، وجدت الأسرة العربية نفسها في مأزق مع أبنائها وكيفية تربيتهم وخلق طريقة للتواصل والتفاهم معهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالالتزام الديني والأخلاقي والاجتماعي، وبالتالي أصبحت أساليب التربية بحاجة إلى مراجعة دقيقة، ونحن اليوم نطرح أسلوب الضرب الذي كان معتمدا إلى وقت قريب في معظم الأسر العربية وأيضا في المدارس ضمن طرق التربية.

بل إن البعض لا يزال يعمل به حتى الآن في بعض المواقف، ضاربا عرض الحائط بالقوانين والشعارات المناهضة للعنف الأسري ضد الأبناء، مستندين إلى مبررات الحسم في التربية الذي من شأنه أن يصلح الأبناء ويضعهم على الطريق المستقيم وبما يصب في مصلحتهم. فهل مازالت بعض الأسر بالفعل تعتمد أسلوب الضرب في تربية أبنائها؟ وهل يتناسب هذا الأسلوب مع عقلية الشباب الآن أم أنه أصبح أسلوباً بليداً عفا عليه الزمن؟ والأهم من ذلك كيف نفرق بين التربية وأساليبها وأهميتها في تقويم الأبناء وبين ما يمكن أن يطلق عليه العنف الأسري؟

أسلوب غير مجد

من وجهة نظره يرى محمود حسين أن تربية الأبناء عملية ليست سهلة في آلياتها خصوصا في ظل المتغيرات السريعة التي تحدث فجوة كبيرة بين الأجيال، ويفسر ذلك بقوله: تربيت بطريقة تقليدية في زمن وبيئة كان العيب فيهما هو القياس الذي يحدد المتربي وغير المتربي، والحق أن نظرة واحدة من الكبار كانت كفيلة بأن تبث الرعب في نفوسنا، ولم يكن يمارس الضرب إلا بعد أن تنفد كل أساليب الإصلاح مع البعض.

أما بالنسبة لأولادي فقد اعتمدت في تربيتهم على الصراحة المبنية على صداقة عميقة، والحمد لله أنا لا أذكر أنني رفعت صوتي في وجه أحدهم، وكلهم تربوا وأكملوا دراستهم حتى التخرج من دون أية مشاكل تذكر سواء في البيت أو في المدارس أو مع أحد من الناس، وبالتالي لم أعتمد الضرب كوسيلة تربوية مع أبنائي. أما عن الضرب في حد ذاته فأرى أنه أسلوب غير مجد وغير إنساني بالمرة، ومهما كانت الأخطاء التي ترتكب فإن الضرب لن يمنعها؟، بل على العكس يمكن أن يأتي بنتائج عكسية كنوع من العناد مثلا، أو التعود في أحيان أخرى حيث تطبق المقولة الشهيرة «علقة تفوت ولا أحد يموت».

واتفق ناجي محمد ؟ مستشار مالي ؟ مع زوجته أم يوسف ؟ ماجستير علم نفس- على آلية مفيدة في تربية الأبناء بعيداً عن أسلوب الضرب، يقول: كان أسلوب الضرب متبعا قديما وكان يأتي بفائدة بدليل أنك إن سألت أحدا من الأدباء أو العلماء المشاهير سيقول لك إنه نال عقابا بالضرب ولو لمرة واحدة في حياته، لكن الضرب آنذاك كان أسلوبا عقابيا تأديبيا وليس انتقاميا كما هو الآن، ومن دون شك أن الضغوط الحياتية والمعيشية الآن تدفع الآباء لضرب أبنائهم لأنهم أغضبوهم فقط.

وبالتالي أصبح الضرب بغرض الانتقام وليس التأديب، ومن المفترض أن تكون هناك أساليب أخرى للتربية مثل الحرمان من الخروج والتنزه؟، أو الحرمان من الأشياء المحببة للطفل لفترة مؤقتة، كما أن التلويح بإخبار الأب كورقة ترهيب قد يكون لها أثره في نفس الطفل، وإن لم تنفع كل هذه الأساليب يمكن اللجوء إلى الضرب ولكن بشرط، أن يعرف الطفل لماذا يضرب، وأن لا يكون الضرب على الوجه، وأن لا تستخدم آلات حادة أو أداة تظل عالقة في ذهن الطفل مثل الحزام أو خرطوم الماء.

لغة الحوار

ومن وجهة نظر الأبناء ترى رضوى العربي ؟ طالبة جامعية- أن أسلوب الضرب مرفوض تماما في العملية التأديبية والتربوية مهما كانت الأسباب، تقول: نحن في عصر يعتمد لغة الحوار في تعاملاته وتواصله الإنساني والاجتماعي، وغير معقول أن يلجأ البعض إلى أسلوب الضرب ليثبت وجهة نظره في سلوك أو أمر ما، حتى وإن كان الأمر بين أب وابنه، وأعتقد أن من يلجأ إلى الضرب هو إنسان لا يملك حجة أو وسيلة إقناع منطقية، وهو أيضا شخص لا يجيد لغة الحوار.

ومن فرط ضعف شخصيته يستخدم يديه في فرض رأيه، أما أن يكون الضرب وسيلة عقاب فتلك هي الطامة الكبرى، فنحن بذلك نتفنن في رفد المجتمع بشباب ضعيف الشخصية وغير متحمل للمسؤولية، لأنه في الأصل اعتاد أن يخطئ وينال عقابه ضرباً، من دون أن يحاوره أحد ويوضح له الخطأ من الصواب، وفي هذه الجزئية بالتحديد فإن الصواب والخطأ في بعض الأمور أصبح مرهوناً بالمستويات التعليمية والثقافية عند المختلفين، وباختلاف الأجيال بين الآباء والأبناء، وهنا يصبح الضرب وسيلة قهرية تطال العقل قبل الجسد.

نتائج عكسية

ويرفض حسين عمرو- طالب ؟ أسلوب الضرب في التربية بقوله: لا شك أن تقدم العالم بتقدم العقلية البشرية يحتم علينا أن نحترم هذا العقل الذي وهبه لنا الله عز وجل، واحترام العقل يبدأ باحترام وجهات النظر المختلفة واستيعاب الأفكار الجديدة ووضعها في الأطر الأخلاقية المتعارف عليها في المجتمع، وبما يضمن حرية التعبير بما لا يسيء للأسرة أو المجتمع، أما أن يكون الضرب وسيلة للردع والتأديب فهذا هو الخطأ الكبير الذي يقع فيه بعض الآباء والأمهات، وأنا كشاب أرى في الضرب أسلوباً غير حضاري، كما أنه لا يصلح الأخطاء بقدر ما يؤدي إلى نتائج عكسية عند الشباب.

فهم يتمادون في أفعالهم وسلوكياتهم التي يرون من وجهة نظرهم أنها صحيحة ولا عيب فيها، ولا يبالون بحجم الضرب الذي ينتظرهم في البيت، كما أنهم يتفننون في الكذب على أولياء أمورهم إلى أن تصل علاقتهم بأسرهم سيئة للغاية. أما أسباب الضرب ففيها قول كثير، والحق أن أولياء الأمور سيخرجون منها بإدانة حتمية، لأن ما يضربون عليه الآن هو ما فشلوا في توضيحه لأبنائهم في الصغر، أو أنهم لم يتطرقوا إليه في الأصل، خصوصا المواضيع الحساسة التي يخجلون من الحديث فيها مع الأبناء.

حلول علمية لكيفية التواصل مع الأبناء

من وجهة رأي تخصصية قال الأستاذ الدكتور أحمد العاموش رئيس قسم الاجتماع بجامعة الشارقة: في عرف الهيئات الحقوقية والجمعيات الأهلية يعتبر أسلوب الضرب في التربية خرقا للموازين الأسرية وإساءة للطفل يعاقب عليها القانون، وقد أشارت الدراسات العالمية إلى خطورة هذا الأمر على بنية الأسرة خاصة في مجال الجنوح والجريمة اللتين ينجرف إليهما الأحداث، مما يعني أن هناك خللا جليا قد طرأ على بنية المجتمع، فالأسرة التي تعاني من العنف الأسري أكثر ميلا إلى التفكك الاجتماعي من غيرها، ومنذ الوهلة الأولى فإن العنف الأسري ينعكس سلبا على الشخص الذي يمارس عليه العنف، ويتمثل ذلك في العملية الانسحابية تدريجيا من المجتمع.

حيث يشعر الشخص الواقع تحت سطوة العنف أنه ليس عضوا فاعلا في المجتمع أو على الأقل في محيطه، وبالتالي يصبح أكثر تمردا ورفضا للمنظومة القيمية الأسرية والمجتمعية. ويضيف العاموش أن عملية الضرب كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للآباء في ظل انعدام الوعي لديهم ونسبة الأمية العالية التي كانت تعم أقطار الوطن العربي، مما يعني أن الإلمام البسيط بأبسط قواعد الحوار بين الآباء والأبناء كان منعدما، وهم بذلك غير واعين بأن الضرب يمثل إهانة كبيرة تؤثر سلبا في نفسية المضروب صغيرا كان أو كبيرا، وأن عملية الضرب ما هي إلا علاج ورادع وقتي ينتهي بانتهاء مسبباته.

وفي دراسة «طولية» أجراها باحثون كنديون على مدار فترة طويلة، اتضح أن من يمارس عليه العنف وهو صغير، يتحين الفرصة وهو كبير لكي يمارس العنف ضد الآخرين حتى ولو كانوا أبناءه، ولا فرق في ذلك إن كان العنف ضربا أو حرمانا من الأشياء المحببة، وتوصلت الدراسة أن ذلك يعد نوعا من الانتقام الكامن في اللاوعي عند هذه الشريحة المعنفة.

ويلفت الدكتور أحمد العاموش إلى أن علم الاجتماع توصل إلى حلول علمية لكيفية التواصل مع الأبناء وبالتالي مع الأجيال الجديدة بقوله: صحيح أننا أصبحنا في عصر منفتح لم تعد فيه المعلومة حكر على الكبار فقط، خصوصا في الأمور التي تمثل حساسية بالنسبة للآباء، بل إن شباب اليوم قادرون على معرفة كل شيء من الإنترنت أو من أقرانهم في المدرسة.

وبالتالي فإن مسألة المتابعة للطفل منذ الصغر أمر مهم للغاية، فالمتابعة تعني أننا على علم بكيفية تفكير الصغير وميوله وسلوكياته وإمكانية تعديل المسار وتقويم الاعوجاج إن وجدا، وفي فترة عمرية لاحقة تأتي عملية المتابعة في المدرسة والشارع لمعرفة أصدقاء الأبناء وأخلاقياتهم، إضافة إلى خلق حالة من الحوار الصحي وبناء علاقة قائمة على الصراحة والاعتراف بالأخطاء مهما كانت جسامتها، ولا شك أن التعرف على سمات شخصيات الأبناء منذ الصغر والاقتراب منهم يشكل خطوة هامة تسهل من المتابعة وخلق الحوار في فترة لاحقة، علما بأن التساهل مع الأبناء وإهمالهم يولد لديهم شعورا بعدم المسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين.

مناهضة العنف ومبررات التربية

مع توالي القفزات نحو آفاق تربوية حديثة، وجدت الأسرة العربية نفسها في مأزق مع أبنائها وكيفية تربيتهم، وخلق طريقة للتواصل والتفاهم معهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالالتزام الديني والأخلاقي والاجتماعي، وبالتالي أصبحت أساليب التربية بحاجة إلى مراجعة دقيقة، ونحن اليوم نطرح أسلوب الضرب الذي كان معتمدا إلى وقت قريب في معظم الأسر العربية وأيضاً في المدارس ضمن طرق التربية، بل إن البعض ما زال يعمل به حتى الآن في بعض المواقف، ضاربا عرض الحائط بالقوانين والشعارات المناهضة للعنف الأسري ضد الأبناء، مستندين إلى مبررات الحسم في التربية الذي من شأنه أن يصلح الأبناء ويضعهم على الطريق المستقيم وبما يصب في مصلحتهم.

عز الدين الأسواني