في أواخر الستينات، ساعد م. س.سواميناثان، وهو خبير هندي بارز في هندسة جينات النباتات في تخطيط وإطلاق الثورة الخضراء، وهي في جوهرها جهد إنمائي هائل، كفل في غضون سنوات قلائل تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في الهند، التي عانت على امتداد مراحل طويلة من كوارث المجاعات، وأدى استخدام نوعيات محسنة من بذور المحاصيل الغذائية وتكثيف استخدام الري والمخصبات ومواد مكافحة الحشرات الضارة إلى قفزات هائلة في إنتاج الحبوب الغذائية، الأمر الذي كفل إنقاذ الملايين من الهنود من خطر المجاعة.
اليوم يعود سواميناثان نفسه ليحذر من أن قدرة الهند على إطعام نفسها يتهددها الخطر، أو هذا هو ما ارتفع به صوته عاليا في المؤتمر العلمي الهندي السابع والتسعين، الذي عقد اخيراً، حيث قال إن محاصيل القمح الهندية التي تزرع بطريقة الزراعة البعلية، أي اعتمادا على المطر، يمكن أن تنخفض بمعدل 44 % في عام 2050، في ظل نماذج ارتفاع درجة الحرارة التي يتوقعها الخبراء، الأمر الذي يمكن أن يكون مدمرا لحياة الفقراء في الهند، الذين يعانون حاليا من معدلات مرتفعة من سوء التغذية.
وأوضح الخبير الهندي أنه حتى في حالة حدوث ارتفاع محدود في درجة الحرارة، وهو الأمر الذي يبدو حتميا في ضوء نماذج المناخ المتوقعة، فسوف يحدث انقطاع في مواسم نمو الحبوب الغذائية، في مناطق إنتاج القمح الرئيسية في الهند، التي كانت الساحات الرحبة للثورة الخضراء في الستينات. وأضاف: «إن حدوث ارتفاع قدره درجة واحدة مئوية في الحرارة من شأنه أن يقصر عمر محصول القمح أسبوعا في قلب منطقة الثورة الخضراء في الهند». وهذا الانخفاض الذي أشار إليه الخبير الهندي يعادل درجتي فهرنهايت.
وأشار إلى أن حوالي ثلثي الهنود يكسبون قوتهم من الزراعة، وحوالى 60% من الأراضي المزروعة في الهند تروى بمياه المطر، والمزارعون الذين يمتلكون مساحات صغيرة من الأراضي المزروعة سيكونون الأكثر تضررا من تقلبات المناخ.
غير أن الرجل الذي يلقب بأبي الثورة الخضراء في الهند ليس هو وحده الذي يرفع صوته بهذا التحذير، وإنما يشاركه فيه عدد كبير من العلماء والباحثين والخبراء، الذين يذهبون إلى القول إن ارتفاع درجة الحرارة من شأنه أن ينعكس سلبا على العديد من مناطق إنتاج الحبوب الغذائية على امتداد العالم، وتتعرض مناط إنتاج الحبوب في جنوب آسيا وافريقيا للجانب الأكبر من الخطر، الأمر الذي يجعل الأمن الغذائي لأكثر من مليار من البشر في مهب الريح.
وتقدر دراسة نشرت نتائجها في مجلة «ساينس» أن بلادا عدة في جنوبي آسيا وافريقيا يمكن، بحلول عام،2030 أن تشهد محاصيلها الغذائية تراجعا يتراوح بين 10% و30% نتيجة للتغير المناخي. ويقول بروفسور ديفيد لوبيل، الأستاذ المساعد لإيكولوجيا المحاصيل بجامعة ستانفورد الأميركية وأحد مؤلفي هذه الدراسة: «إن الجانبين اللذين يثيران قلقي هما ما سيتعرض الناس له من الفقر ومن الجوع في ضوء التقلبات المناخية».
وهو يتوقع أن الفقراء على مستوى العالم سيكونون هم الأكثر معاناة من جراء هذه التطورات، حيث سيتراجع إنتاج المحاصيل الغذائية، وسترتفع أسعار الغذاء، وتقل السعرات الغذائية المتاحة للفرد الواحد. ولكن هل يعني هذا أن الأفق مفتوح على التشاؤم وحده في المستقبل؟ ليس تماما، فالخبراء يرون أن ارتفاع درجة الحرارة سيأتي معه، في الوقت نفسه، بإمكانية زراعة مناطق شاسعة في كندا وسيبيريا، وإن كان فقر التربة في بعض هذه المناطق لا يسمح بإطلاق العنان أمام الآمال المعلقة عليها.
