بيرنار كوشنير زحف من مدينة أفنيون جنوب فرنسا لأب يهودي وأم بروتستانتية ليحتل أرفع المناصب في العاصمة باريس. وفي كل غزوة من غزواته، يحتل منصباً رفيعاً. دبلوماسي من الطراز الأول، يستطيع أن يكون مع الحزب الاشتراكي ولكنه يحتفظ بعلاقات طيبة مع الأحزاب الديغولية واليمينية.

ولكن من الصعوبة أن يطلق عليه «الانتهازي» لأنه ليس كذلك إلا إذا طبقنا عليه المقاييس التقليدية والتسلح في الخنادق الأيديولوجية. وربما لهذا السبب، جعلت سيرته الذاتية تربك الكثيرين في الوسط السياسي والشعبي في آن لأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في بداية الستينات ومن ثم انتقل إلى الحزب الاشتراكي ثم إلى الحزب الراديكالي اليساري من بعده عاد إلى الحزب الاشتراكي.

هذه الانتقالات أربكت الفرنسيين وهزّت صورته في الأوساط السياسية. لكن هذه الصورة لم تربك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بل دفعته لاختياره وزيراً لخارجية فرنسا دون أن يختار أحداً من حزبه ومعارفه لأنه يعرف بأن «عدو» الأمس الإيديولوجي يمكن أن يصبح صديق اليوم، وهذا ما كان في صالح كفة الرئيس الفرنسي وأعطاه بعداً ديمقراطياً متفرداً حتى لو أخفق في اختياراته الأخرى.

ولكن الفرنسيين يتعاطفون معه كثيراً بسبب أعماله الخيرية حيث عمل سكرتير دولة مكلف بالإدماج الاجتماعي والأعمال الإنسانية. ثم شغل منصب وزير الصحة والعمل الإنساني. كما عمل بمهام إنسانية لإغاثة ضحايا الكوارث الطبيعية والصناعية والسياسية وأسس أطباء بلا حدود التي ترأسها. كما أن دفاعه عن كوسوفو ودارفور قربّ صورته من الفرنسيين وأكسبه روحاً إنسانية جديدة تطغى على مواقفه السياسية. وفي كل مرة يمزج الموقف السياسي بالموقف الإنساني يجعله يرتقي سلالم جديدة في عالم السياسة الفرنسية.

لم يتقبل كوشنير كتاب الصحافي بيار بيون الذي حمل عنوان «العالم يحس بك » الصادر عن دار فايار الذي اتهمه باستغلال منصبه لأغراضه الشخصية إلا أن كوشنير وصف هذه الاتهامات بأنها «سخيفة» و«مثيرة للغثيان». وقد ركز الصحافي على أن عمل كوشنير كمستشار لصالح السلطات الغابونية كان مقابل أجر. وتوسطه لدى الرئيس الغابوني، عمر بونغو لطلب تأدية فواتير لصالح شركات تابعة لقريبيه، وذلك بالتزامن مع عمله بوزارة الخارجية الفرنسية.

كان الصحافي يعتقد بأنه يكشف عن «الوجه الخفي لكوشنير» ولكنه في حقيقة الأمر ليس وجهاً خفياً لأن كوشنير لا يخفي ما يقوم به ولا يخجل من علاقاته الأفريقية والخارجية الأخرى، بل هو مصنوع لها، بوجه البشوش ولباقته في الكلام وسرده للنكات في أحرج المواقف. وهذا ما يحببه عند الأفارقة والفرنسيين في آن واحد.

يعتقد الكثيرون بأن كوشنير يلعب لعبة مزدوجة محميا بصورته كـ «رجل سخي»، إذ «لطالما صرخ كوشنير قائلا إن القادة الأفارقة ديكتاتوريون يدينهم في وضح النهار ويتفاوض معهم ليلاً». وما بين النهار والليل، تجري العديد من الخفايا في السياسة الفرنسية الخارجية لكن في كل خطو يخطوها كوشنير لا ينسى خارطة فرنسا المرسومة في قلبه وضميره دون أن ينسى كوسوفو أو دارفور، ويهرع لنجدتهما.

شاكر نوري