ما إن يدخل الزائر معرض «بين صخرة ومكان موحش» للفنان الإيراني الشاب فرزان سادجادي، حتى يدرك أنه أمام تجربة فنية مختلفة، ويتجلى ذلك من خلال هيمنة اللوحة الأولى عليه. وبين «سرقة أعمدة الكهرباء» و«سقف متداعي» و«انحناء القصب» واللوحات المتبقية، يعيش الزائر حالة مواجهة صريحة مع العالم ومع نفسه. وقد ضم المعرض الذي افتتح مساء أول من أمس في غاليري «كاربون 12» بمقرها في القوز، ثماني لوحات هيمنت بحضورها على مساحة المكان الواسعة وعلى الزوار أيضا.
الصمت والوحدة، قسوة العزلة وجمالياتها، الصراع الخفي والمجهول، الحياة الباهتة والوحشة، الغموض والتأمل، مشاعر مختلطة تنبعث بقوة من المشاهد الساكنة المقفرة في لوحات سادجادي. في عمله «سقف متداعي» يصور بألوان قاتمة سقفا خشبيا متداعيا لكوخ، وفوق مجموعة الأخشاب الأقرب إلى الحطب، طير رمادي يحلق بصعوبة باتجاه الزرقة الشاحبة لأفق الفجر البعيد. وفي لوحة «منعطف حاد»، يقف كلب أسود على ناصية طريق اسفلتي في حالة دهشة وتساؤل عما ينجزه البشر، وربما مترقبا وقوع أمر ما، وما يشحن أجواء اللوحة بالغموض، هو إيقاع ضربات فرشات الفنان الجرئية والقوية في مساحة الثلج المحاذية للطريق، والتي غطت جزءاً كبيراً من إشارة المنعطف.
أمام لوحته «انحناء القصب» التي احتلت مساحة كبيرة من جدار الصالة، يقف الزائر ليلا في حقل القصب ليرى في الأفق البعيد سور السجن والضوء الشاحب المنبعث من منارات المبنى. المكان مفقر ساكن، لكن هيمنة الريح حاضرة بقوة في انحناء عيدان القصب. ومع «سرقة أعمدة الكهرباء» يستطيع الزائر من خلال شروده في أرجاء المكان الموحش الرمادي والخالي من الحياة، سماع صفير أو نواح الريح، واستعادة صورة من حالة الوحشة والكآبة التي يعيشها مع نفسه بين حين وآخر حينما يشعر أنه وحيد بالمطلق.
كذلك الأمر مع اللوحتين الكبيرتين «ثلج موحل»، حيث يتصارع أو يلهو عدد من الكلاب فيما بينهم، وقد لوث صراعهم نقاء بياض الثلج. وأمام المدى الواسع للطبيعة في هاتين اللوحتين، والكلاب التي عمد الفنان إلى رسمها بضربات مختزلة من فرشاته لتعكس حركتها فقط، يشعر الزائر بشحنة العنف، وبالتالي لا يملك إلا المقاربة بينها وبين صراعات عالمه؛ ففي مدى عالم الكون الواسع الذي يتسع للجميع يختار الإنسان الصراع مع الآخرين على مساحة ضئيلة، سواء كانت ملكية أو مركزا أو نفوذا.
يعيش الفنان الشاب سادجادي الذي ولد عام 1977، حياته في عزلة مشابهة بين لوحاته في طهران. ويستلهم مواضيع أعماله من العالم المحيط به ومن تجربته الحياتية خلال خدمته العسكرية التي تركت أثرا كبيرا في نفسه، والذي يحاول ترجمته من خلال أعماله، الصراع بين الواجب وبين قيمه الإنسانية ودوره في الحياة، وقد أشار في كتيبه أن مطلبه الوحيد في الحياة حاليا هو الاستمرار في الرسم.
مما لا شك فيه أن هذا المعرض يترك بصمة في روح الزائر وذاكرته. ويتوقع القائمون على الفن مستقبلا واعدا لهذا الفنان الذي شارك حتى الآن في سبعة معارض بين إيران ودبي ودمشق. وستعرض غاليري «كاربون 12» التي تبنت أعماله، المزيد من لوحاته في معرض «آرت دبي 2010» الذي سيقام خلال الفترة من 17 إلى 20 مارس.
ر.م
