في زمن الغناء الرخيص والبضائع المغشوشة، والمتاجرة بالأعراض وكل أنواع اللحم البشري، وفي عهد الذوق المتأيدز وإنفلونزا الضمائر.. يكاد الإنسان يفقد الأمل في الوصول إلى صناعة أصلية، أو العثور على ضمير لا يزال على قيد الحياة، بين أنقاض الضمائر المتخشبة في مقابر الذوق السليم!

لكن جوليا بطرس، برسالتها الإنسانية وضميرها اليقظ، أبت إلا أن تثبت أن رسالة الفن، كأي رسالة إنسانية نبيلة، لا يزيدها الاحتباس الفني إلا مناعة، ولا ركام الجشع والابتذال إلا بريقا ولمعاناً، ككل المعادن الكريمة والجواهر النفيسة.ابتدأت مسيرتها الفنية في الثانية عشرة، بأغنية «إلى أمي» باللغة الفرنسية، وبعدها بعامين أطلقت ألبومها الأول، بالفرنسية أيضا، تحت عنوان «هذه هي الحياة».لكنها منذ أطلقت أغنيتها الأولى باللغة العربية عام 1985، في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، بعنوان «وغابت شمس الحق»، آلت على نفسها أن تكرّس موهبتها ورسالتها الفنية، لوطنها لبنان ولأمتها العربية.

انحازت بكل كيانها وقناعتها لحب الوطن ولكرامة الأمة وشرفها، فوقفت إلى جانب المقاومة في لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي، بأعمالها الفنية وبجهودها المادية والمعنوية، كما غنت لفلسطين وأهل فلسطين، شهداء وأسرى ومحاصرين.. دخلت أغانيها كل البيوت العربية، بل كل قلب ينبض بدم عربي، فألهبت المشاعر، وأيقظت ما تبقى حيا من ضمائر في جسد الأمة المتهالك.. فكأن الكل يردد معها:

وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟

الله معنا، أقوى وأكبر من بني صهيون

نحن الحق ونحن الثورة

وهُم أصحاب الفيل

جيل الحق وجيل الثورة

طيور الأبابيل

اكتب يا زمان أبدا لا نخون أرضنا والثورة عنوان

اكتب يا زمان الثورة إيمان، الثورة عنوان

فهي بحق «صوت الكرامة الجريح»، الرافض لحالة الوهن والضعف واللامبالاة التي أنهكت جسد الأمة، وأقعدت معظمها عن مواجهة ما تتعرض له من تحديات تهدد حاضرها ومستقبلها.

لكن روح المقاومة التي تأبى الهوان، لاتزال حية في شرايين الأمة، ولاتزال هناك من يرفع رايتها ويضحي في سبيلها.

وهكذا واجه لبنان، في يوليو 2006، بمقاومته وجيشه الوطني وبكل فئاته وطوائفه، الحرب العدوانية الإسرائيلية، ككل حروب إسرائيل على لبنان وعلى كل العرب، رغم حجم المعاناة وفداحة التضحيات.

وبعد الحرب أطلقت جوليا حملة باسم «أحبائي»، من أجل إقامة حفلات فنية وجمع تبرعات، تضامنا مع أسر شهداء المقاومة والجيش اللبناني وشهداء لبنان، كل لبنان، الذين سقطوا أثناء العدوان الإسرائيلي.

ومع أن الحملة كانت تستهدف جمع مليون دولار، إلا أن الحصيلة تجاوزت الضعفين لتصل إلى ثلاثة ملايين، بمشاركة بعض القيادات العربية والكثير من الشخصيات داخل وخارج لبنان، فضلا عن التبرعات الشعبية.

وقد اعتبرت جوليا أن هذه النتيجة تظهر مدى تجاوب الشعب اللبناني والشعوب العربية مع الحملة، وتقديرهم لتضحيات المقاومين والمدنيين اللبنانيين الذين صمدوا في أرضهم، وأبوا أن يركعوا إلا لراية الانتصار.

حازت جوائز تقديرية عديدة، من الإمارات العربية المتحدة وتونس والأردن وسوريا وقطر، ونالت وسام الأرز من رئيس الجمهورية اللبنانية لمساهمتها الفعالة في المقاومة من خلال صوتها.

وما زالت الصرخة التي صدَحت بها «أم سامر»: وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟ تستنهض الهِمَم وتوقظ الحُلم.. وتنتظر من يُجيب ويَستجيب..

عبد الله إسحاق

--+++++++++++++++++++++++++++18132642711537

Content-Disposition: form-data; name="template"

FullStyle3