تتواصل في الفجيرة فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما عبر استعادة لنص الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان «الزبال» الذي قدم على خشبة مسرح جمعية دبا بدبا الفجيرة من إخراج الفنان الأردني حاتم السيد وتمثيل عبد الكامل الخلايلة، ونص «جسدي في 9 قطع» من لوكسبمورغ للمخرج مارتين انغلر.

عرض «الزبال» سبق أن قدمه حاتم السيد قبل نحو 18 عاما من الآن، وها هو يعود ليعرضه من جديد في في هذا المهرجان، كما سبق ان قدم نص عدوان عدة مرات من خلال عدد من المسارح المحترفة في العالم العربي فترة التسعينات من القرن الماضي ولعل ابرزها العرض الذي قدمه الفنان اللبناني رفيق علي أحمد.

ربما أهم ما يلفت النظر في نص عدوان هو انتمائه الى مرحلة ماضية عاشها الشارع العربي والسوري على وجه الخصوص وقد حفلت تلك المرحلة التي تحدث عنها النص بالكثير من المتغيرات التي ما عادت تجعل منه نصا حيويا او فاعلا دون تدخل مباشر من المخرج او من الدراماتورغ، أي المستشار الدرامي للعرض، لأن الحياة تغيرت بمختلف مناحيها وعلى سبيل المثال لم يعد الموز غائبا عن السوق السوري حتى يجري الزبال حديثا مطولا عن الموز في زبالة ام فلان ..!

على كل تبقى هذه واحدة من القضايا الكثيرة التي أطلقها العرض ضمن فضاء النص وما عاد يستطيع ان يلمها ويخطئ من يظن أن هناك مسؤولية واحدة للاخلال بالعرض المسرحي بل هناك مسؤولية يتقاسمها الجميع وعلى رأسهم المخرج وهنا ربما كان جديرا بالمخرج حاتم السيد المشهود له بخبرة واسعة متعددة الاوجه بالمسرح، أن يقوم بالبداية بإجراء مسح لكل القضايا التي طرحها عدوان في نصه مع محاولة تقديم اقتراحات فنية تتناسب.

وهذا العرض، ويبدو السؤال الجوهري ما الجدوى من إعادة تقديم الزبال في هذا الوقت الذي ما عاد يوجد فيه اي معنى لهذه المهنة بعد انتشار الآليات الحديثة التي تغني عن الأشخاص وبعد ان تغير وتحول مفهوم الزبالة في ذاكرتنا وتعاملنا اليومي إلى مفاهيم ومصطلحات مفتوحة.

ومن هنا كان يفترض بالمخرج ان يوجد طريقا آمنا للممثل بعيدا عن خوض كل تلك القصص والحكايا المليئة بعواطف وذكريات وتفاصيل تجعل من نص عدوان الثقيل أصلا على الروي والقراءة ثقيلا على المشاهدة وبالتالي نجد كيف خفت ألق الممثل وهو يحاول أن يمضي في فضاء الصالة كي ينشئ حوارا مع الخشبة ومع الجمهور.

ولكن كل هذا لم يفلح وظل العمل يدور في فلك الحكاية التي مل الناس سماعها بسبب ضعف رويها وعدم الاقبال على التواصل معها ولا ندري الأسباب التي قادت بالممثل لأن يبطئ من إيقاع العمل وفق هذا الشكل وبالتالي كان العرض يدور في حلقة مفرغة وكانت الغلبة لنص ممدوع عدوان الذي لا يعتبر بمادته الخام نصا مستقبليا أي قابلا لأن يبقى ثابتا بل يجب ان يتحول بجهد جديد ونظرة جديدة، ويحتاج الى إعادة توضيب وترتيب حتى لا يفقد بريق الممثل ولا يمل المشاهد.

جسدي في 9 قطع

«جسدي في 9 قطع» هو عنوان العرض الذي قدم لأول مرة في الهواء الطلق خلف المسرح الكبير وعلى تماس مع القرية التراثية واختار المخرج مارتين انغلر هذا المكان آملا ان يحقق تواصلا ما مع الجمهور تواصلا يكسبه حرارة المكان والتماس مع أكبر شريحة من الناس، ولكن لم تجر الأمور.

كما كان مخططا لها ولعل انفلاش المكان ساهم في انفلاش العناصر الأخرى للمكان المسرحي وأصلا في البداية يفاجئ العرض المشاهدين بأنه لا ينتمي إلى المونودراما لأن شخصا آخر يدخل في اللعبة المسرحية فيتحول العرض الى ممثل يؤدي وآخر يلقن ونلفت هنا إلى العرض يميل الى تقديم رواية لعلاقة الإنسان بالزمان وفق منظور ينقسم الى تسعة أقسام من البداية في فرنسا مرورا الى أميركا وفي كل تلك المراحل هناك ما يشبه رحلة المذكرات التي تصبغ عليها رؤية سوداوية.

يكسر الممثل فضاء المكان عدة مرات وفي كل مرة كان هذا الكسر يأخذ شكل الرقص والتحليق ولكن لا أجنحة له فسرعان ما يسقط الممثل ويترك المشاهدين في حيرة وهو يجلس يتلو عليهم قصصا وحكايات مختلفة، وهنا لا بد ان نشير ان كسر المكان التقليدي للمسرح ان لم يكن يستحق ان يكسر فيجب المحافظة عليه ضمانا لمشاهدة أفضل للعمل، ولعل ظروف المشاهدة لعبت دورا في تشكيل ظروف سيئة مقابلة للعرض.

الفجيرة ـ جمال آدم