لا يحتاج إلياس أشقر، الرئيس التنفيذي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ل«ساتشي أند ساتشي»، وكالة الإعلانات التي رسمت، على مدى عقود طويلة، الوجه الإعلاني لعلامات تجارية أيقونية في المنطقة مثل بروكتر أند غامبل (بامبرز، إيريال، كريست، هيد أند شولديرز، أولي..) وغيرها.. لا يحتاج إلى توصيفات أو ألقاب.
في واقع الأمر، هو لا يحتاج إلى شيء، باستثناء مواجهة كبرى التحديات التسويقية، بتشعباتها الثقافية والاجتماعية، وبالطبع الاقتصادية، والنجاح بتحقيق الانجازات: «لا ألتفت إلى الأقاويل.. لا أكترث بالمشاكل.. أركز فقط على الانجاز». لعلها تكون احدى أبرز الكلمات في قاموس الرجل، الذي ترك بصماته في أعلى مراكز الاتصالات (وأحيانا الاقتصاد!)، في مجالس إدارة شركات مثل «بيبسي» و«كوكاكولا» و«ماتيل تويز» المصنعة للعبة باربي الأشهر عبر التاريخ.
ووكالة «جي دبليو تي» وغيرها من الشركات التي احتل فيها مراكز قيادية، وكان مسؤولا عن توسعها في أسواق المنطقة، وتثبيت دعاماتها في أسواق تحتاج إلى مهارات خاصة مثل إيران وتونس وأوكرانيا ودول وسط آسيا.. «حرب الكولا في أفريقيا».. «ألعاب الصبيان تنافس ألعاب البنات»..
«منتجات بي أند جي تتوسع إلى اسواق غير تقليدية».. بضعة عناوين من عشرات قد يرفدنا بها محرك البحث «غوغل»، لنجد أن اسم أشقر موجود في مقدمات وثنايا تقاريرها. لكن، وبحسب تقارير بحثية عالمية موثقة، فإن عنوانا يهمنا كثيرا في الإمارات، قد تصدر النشرات الأكثر تداولا في العالم. أنه «مترو دبي»، التي تشير تلك التقارير الى أن عبارته كانت في سبتمبر الماضي ثاني أكثر الكلمات شيوعا في العالم على «تويتر»، بعد كلمة «بيتلز». فتش عن اشقر أيضا!
«ساتشي أند ساتشي» كانت العقل الابداعي المدبر وراء حملة «مدينتي.. المترو اختياري» التي يصفها بعض خبراء التسويق بالحملة الأهم في المنطقة طوال عقد. كرست هذه الحملة الإعلانية، التي تشعبت إلى إعلانات طرق وإذاعة ومطبوعات، وأغان بات الناس ينشدونها على الطرقات «ماي سيتي ماي مترو»، وبرامج وعناوين صحف استهلمت منها..
كرست هذه الحملة مكانة الوكالة الابداعية التي ترفع شعار «عشق العلامات التجارية»، وجعلها تتحضر لمزيد من الخطوات الاستراتيجية التي ستساعدها على ربح مزيد من العملاء الاستراتيجيين: «نسعى لأن نكون الأفضل في كل سوق ندير فيه عملياتنا، إن لم نكن في المرتبة الأولى»، يقول بنبرة حكيمة تبررها خبرات السنوات المتراكمة مع أكبر الشركات الاستهلاكية في العالم، وبحكم مركزه القيادي الحالي في «ساتشي أند ساتشي» التي تدير 74 مكتبا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا، في أكثر من 56 دولة.
استحقاق «مترو دبي»، تزامن، مع استحقاق آخر عاشته الوكالة منذ تسلم أشقر مهامه، وهو إعادة هيكلة عملياتها، وتحول نمط الإدارة في بعض الدول من العمل مع شركاء، إلى تملك العمليات الإدارية بشكل مباشر. خطوة بدت في الأوساط التسويقية كالعاصفة التي أثارت الكثير من الضجيج وحتى «الاتهامات» التي طالت أشقر، شخصيا:
«هناك الكثير من الكلام حول فك شراكاتنا وتحويل عملياتها إلى ملكية كاملة. لكن الأمر ببساطة، وبعيدا عن كل الضوضاء والمبالغات، هو رغبتنا بان نكون، في هذه الفترة، أقرب إلى عملائنا، نخدمهم من دون وسطاء، وهذا حقنا المشروع». وتتحضر الشركة لافتتاح مكتبها المملوك بالكامل في بيروت تحت اسم «ساتشي أند ساتشي- المشرق العربي»، على أن يباشر عمله بشكل كامل بنهاية الربع الأول من عام 2010.
يقول أشقر: «في المرحلة الأولى سيقوم فرعنا في بيروت بتخديم منطقة المشرق العربي والشرق الأدنى بالكامل، وهي المرحلة التي سيليها افتتاح مكاتب أخرى في كل من دمشق وعمان وبغداد في مرحلة لاحقة».
يسعى أشقر إلى رد بيروت إلى مكانتها الطبيعية كحاضنة للإبداع والمواهب التي يتم اكتشافها وتدريبها وصقلها، ومن ثم توزيعها على كافة مكاتب الشركة في المنطقة، من دون أن ننسى الأهمية الحيوية والتكتيكية التي تتمتع بها مكاتب الشركة في الإمارات (أي زيارة للوكالة في مكتبها في دبي في ذلك المبنى المبتكر قبالة شاطئ الجميرا المفتوح ستكون كفيلة بتوصيل هذا الإحساس).
تأتي هذه الخطوة كضرورة تحكمها معطيات السوق الحالية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم قبل سنتين: «لقد ولّت السنوات التي كان النمو فيها يأتي من دون بذل المجهود الخارق، وكانت النتائج الايجابية تقطف بسهولة عن الأشجار، كما تقطف الثمار السهلة.
المرحلة اختلفت، وارتأينا أن نكون أقرب من عملائنا والتحكم بمواردنا». المستقبل يسرّ مراقبون أنه نجاح «ساتشي أند ساتشي» بإضافة علامة أيقونية مثل «مترو دبي» إلى حافظتها، قد يفتح لها أبواب الحصول على عقود شبيهة، أو على ذلك المستوى من الضخامة، في المنطقة. مثل؟ يبتسم أشقر غير راغب بالكشف عن أسماء في هذه المرحلة، لكن الثقة التي غلفت ابتسامته توحي بأن الأسماء هي فعلا.. كبيرة!
تحدي المترو
يقول الياس أشقر إن إنجاز حملة دعائية متكاملة لـ «مترو دبي»، لم يكن بالأمر السهل، «خاصة أنك تتعامل مع منتج غير مألوف بالنسبة إلى البيئة المحلية أولا، وعلى تلك الضخامة ثانيا، وفي مدينة لا تنقصها الانجازات وهي على خبرة تامة بأهم الحملات الدعائية العالمية في مختلف الميادين».
أسابيع شاقة وورش عمل لا تتوقف ليل نهار بين دبي، ومكاتب الشركة في لندن، وماكيتات تذهب وأخرى تأتي، واقتراحات تتطاير في الأثير كما حبات المطر وسط عاصفة.. مخاض أثمر في النهاية عما يصفه مراقبون «بأهم حملة إعلانية في المنطقة طول عقد». هل كانت هناك سيناريوهات مختلفة عن النتيجة التي شاهدناها؟
«بالطبع، لكننا أقنعنا عملاءنا في نهاية الأمر أن مترو في دبي يستحق حملة عصرية من حيث الشكل، وخارجة عن المألوف، وتراعي في الوقت ذاته طبيعة دبي كمدينة عالمية لكل الجنسيات». وادى البحث عن لغة عالمية أدى إلى اختيار الكرتون الذي يفهمه الجميع، من كل الأجناس والأعمار والجنسيات: «كان تحديا نجحنا فيه».
ولاء مطلق يتخطى المنطق
يثني سايمون فرانسيس، الرئيس التنفيذي لـ «ساتشي أند ساتشي» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، على خطة أشقر في إعادة هيكلة العمليات الإدارية للشركة.
يقول: «ما من شك بأن الاعتماد على مكاتب مملوكة بالكامل لنا في المنطقة، سيعزز من امكانات شبكة عملنا ويفعّل قدراتنا الابداعية لعملائنا الذين يحتاجون إلى حلول ابداعية متكاملة في أكثر من سوق أو بلد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أننا، ومن خلال المكاتب الجديدة، سنتمكن من الاستمرار في تدعيم أنشطتنا بما يخدم رؤيتنا القائمة على بناء ثقة كاملة وراسخة أساسها: ولاء مطلق يتعدى المنطق».
وفي هذا السياق يقول أشقر: «نسعى لأن نتبوأ مكانة متقدمة تتناسب مع ما تتمتع به هذه المنطقة من تفرد وتميّز على صعيد الابداع والقيم وفرص النمو التي جعلت منها منطقة واعدة للغاية ستقود الركب في المستقبل». ويشير: «نتطلع إلى اقتناص فرص للدخول في أسواق جديدة في المنطقة مثل أبو ظبي وقطر والبحرين». والى اليسار علامة احدى الحملات التجارية للشركة .
دبي ـ «البيان»
