سفينة الصحراء وملكة الرمال والتلال وأشجار السمر والغاف بلا منازع. ترعى منفردة في مملكتها المترامية، تتزود بغذاء رباني، وتختزن عطاءها لسيد بشري، أطلقها في الفلاة، آمنة وهو آمن على مستخدمي الطريق الإسفلتي العام.

الجمال هي إحدى الهبات الأبدية المباركة لسكان البادية، وهم وحدهم من يمتلكون قدرة التخاطب والتفاهم الحركي واللفظي مع هذا المخلوق المجبول على الصبر والعطاء اللامحدود، ولكن المجبول أيضا على الإحساس العالي وعلى اختزان مشاعر حقد لا تزول إلا بالثأر ممن ظلمه أو آلمه وأذاه ولو كان سيده. الجمل.. مخلوق نبيل في كل صفاته، وهو نبيل حتى في غضبه. هو كائن غير ناطق لكنه يعرف حدوده جيدا، ويعرف تماما كيف يثور ومتى ينتقم.

وعلى المرء أن يدرك أنها صفات حقيقية، فلا يتذاكى واحدنا حين تدفعه التلقائية بمشاهدة أحدها أو أكثر إلى الاستظراف غير المحسوب معها، بتصرف يراه طبيعيا، بينما يرى فيه الجمل إساءة مؤذية أو مهينة، خاصة أن هذه المخلوقات تنتشر بين التلال في هذه الأيام مغتنمة موسم الشتاء وما بعد المطر، لكونه موسم ترى فيه عيدا من الحرية كما يراه الإنسان المتآخي مع معطيات الصحراء وخصائصها.. ومنها الإبل.

فاطمة الهديدي