أثار العرض الاماراتي (الذي نسي أن يموت) لمسرح خورفكان إشكالية في أول أيام عروض مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، لجهة النقاش الذي دار حياله، في الوقت الذي نال إعجاباً واسعاً بين المشاهدين، وهو يعرض على مسرح جمعية الثقافة في دبا الفجيرة في اليوم الأول، وحسب تعبير أحد ضيوف المهرجان، فإن هذا العرض ربما وضع بعض النقاد العرب بأساليبهم التقليدية في قراءة العروض في مأزق حقيقي شعروا به من رد حسن رجب على ملاحظاتهم.
«الذي نسي أن يموت» يحمل الرقم سبعة في لقاءات الكاتب اسماعيل عبد الله مع المخرج حسن رجب ، وهو تحقيق لمبدأ الشراكة بين الرجلين، التي انضم اليها الممثل جمعه علي أخيراً. ويثير موضوع العمل قصة غاسل للموتى، جاء إلى بلدة صغيرة، كي يعمل بهذه المهنة التي لا يتقن غيرها، محملا بكثير من القصص والحكايا والهموم التي تنتمي لتاريخ الشخصية، متعلقا بهذه المهنة التي تثير الكثير من اشارات الاستفهام لحالة السخرية من الموت التي يتعامل معها، وتحديداً في ظل اقفال أهل البلدة الباب أمام (عزرائيل) فالموتى قليلون والموت ترك هذا العالم، واستغرب غاسل الموتى من تمسك الناس بالحياة على الرغم مما يعانون منه.
وبرع الممثل الوحيد في العرض الفنان المتميز جمعة علي في تقديم اقتراح فني جديد في المونودراما، اقتراح ربما نسف للمبدأ الكلاسيكي العربي في التعاطي مع عمل كهذا سواء لجهة التعامل مع نص فيه هذا القدر الكبير من القصص والحكايا ومتشعب الأحداث والسير محولاً إياه الى نص حركة ولكل لكلمة قالها، وكأنها لحركة منه، فغاب ثقل النص وكثافته أمام آلية تعاطي الشخصية معه، أو لجهة التعامل مع الخشبة ومع دوره كمهندس للإضاءة.
وقد تماهت شخصية جمعة بين تلك المهمات الثلاث، بما يعكس فهمه للجديد الذي يتضمنه هذا العرض، وللرسالة التي يقدمها حسن رجب، وهي رسالة مهمة ولافتة في تعاطيه للمرة الأولى مع فن المونودراما الذي يراه حسن فناً ثقيل الظل، ومملاً، ولكنه آثر الدخول فيه، نظرا لما يمتلكه النص من مؤهلات راقية. وهكذا جاءت التعليقات من بعض المسرحيين العرب، خلافاً لما كان متوقعاً منهم ان يتناولوه لعرض توافرت فيه سبل التميز، وهم يقرأون عرضا منفتحا على المسرح والمستقبل على الاقل قراءة فنية معاصرة، وتحديد لهذا النوع الصعب من العروض.. قراءة لم تقارب تلك الجهود المقدمه فيه.
وفوجئ صناع العمل على سبيل المثال بالفنان الكويتي القدير فؤاد الشطي وهو يخاطب حسن رجب في ختام تعليقه: (أنت خذلتنا بهذا العرض).. إضافة إلى قراءات ربما حلقت في هذا الفضاء من قبل الفنان العراقي سامي عبد الحميد والدكتور عواد علي، الأمر الذي جعل من جعل المخرج حسن رجب يتجاهل تعليقه ومعظم التعليقات الأخرى على طريقته، بل هو لم يتجاهلها موجها وخزات حادة لتلك الآراء بكل هدوء وبكلمات مختصرة وبسخرية عالية مبطنة، تشبه تلك التي بثها في عرضه المسرحي.
موضحا فيها آلية التعامل مع هذا النوع من العروض وماذا يعني العمل بل ماذا يعني أن يقدم بهذه الأسلوبية الفنية الجديدة، التي جعلت من الممثل صانعاً مهماً من صناع المونودراما، فيما قال جمعة علي إنه لم يكن يرغب بالخوض في المونودراما، ولكن النص شكل له إغراء ما كي يلعب هذا الدور وأكد جمعة ، ربما بعدما سمع هذه الطريقة في النقاش... حسب ما أكد أحد الحضور ضاحكا ، أنه لن يقدم مونودراما بعد الآن، وبأنه تشرف بتقديم هذه التجربة مع صناع كبار في المسرح الاماراتي.
عمل سويسري لافت
قدم العرض السويسري ديس هانولمان في مسرح (بيت المونودراما)، وهو يحكي قصة رولاند ابيلمان الاختصاصي في القاء محاضرات عن نماذج قياس في السكك الحديدية، ولأجل هذا يحدد خطا له في بداية العرض من أجل التحرك خلاله على خشبة المسرح، وما بين هذين الخطين يقطع شوطا في سرد حالات شخصية، تعكس حالته النفسية والتي تنم على قدر كبير من الاجهاد الذهني والفكري، متجاوزا عمله والعمل الذي تحدث عنه ومن خلف الستار.. بدأ يحكي عن رجل عاجز نفسياً وجنسياً، مستعيدا ذاكرته تلك المرحلة التي أمضاها في كنف ابويه، وهو على هذه الحالة.
يقدم الممثل السويسري رافيل تروب نموذجاً نادرا لعمل الممثل على التكنيك المسرحي وتفاصيل الشخصية، متجاوزا مسألة عدم تواصل الناس معه، نظرا لأنه يتكلم اللغة الالمانية، ويبدأ شيئا فشيئا بالتعريف على فهمه للشخصية، ولآلية عمله كممثل وهذا ما شكل حالة من التواصل، تواصل آخر مع الممثل ومع القدر الذي قاد الشخصية لتحولات ربما قادت للموت، مستفيدا من كل ما من شأنه أن يؤكد هذا التواصل.
ومن الأغراض والاكسسوارت المسرحية الموجودة على خشبة المسرح او في محفظته الجلدية، وهذا ما لقي تصفيقاً حادا بين المشاهدين الذين وجدوا في هذا العرض إحدى العلامات التي تدل على أن هذا المهرجان فيه الكثير مما يخبئه لعشاق فن الممثل الواحد.
الفجيرة - جمال آدم

