تعتبر الخيول الأميركية المعروفة باسم «موستانغ» من أقوى رموز الأجواء الفانتازية الساحرة التي تميز الغرب الأميركي، وصورتها وهي تركض بشموخ في البراري الأميركية الفسيحة لا تزال محفورة في ذاكراتنا منذ أيام أفلام رعاة البقر، حتى انها أعارت اسمها لأحد أشهر أنواع السيارات الأميركية العريقة. لكن هذا كله لم يشفع لها من المعاملة المهينة على أيدي السلطات في ولاية نيفادا التي باشرت أخيراً في عملية ترحيل جماع قسري لخيول الـ «موستانغ» الجميلة بعيدا عن أراضيها، لخدمة مصالح مالكي المزارع في الولاية.

انطلقت العملية في مطلع يناير الجاري حيث بدأت مروحيتان تحلقان على ارتفاعات منخفضة فوق الأراضي الوعرة في شمال شرق مدينة رينو بتمشيط المنطقة بحثاً عن الخيول البرية، وتمكنت بعد أربعة أيام من مطاردة 140 فرس موستانغ وتجميعها في زرائب كبيرة مسيجة، ليتم نقلها من هناك بالشاحنات إلى موطن جديد في السهول الكبرى الواقعة غرب نهر المسيسيبي وشرق جبال الروكيز. وينوي مكتب إدارة الأراضي في الولاية مواصلة الحملة لمدة شهرين لترحيل حوالي ثلاثة أرباع إجمالي أعداد خيول الموستانغ التي تجوب براري المنطقة والتي يقدر عددها بأكثر من 3000، ما لم تتصاعد حدة الأصوات الشعبية المعاضرة بما يكفي لإيقاف المشروع في مهده.

وقد هب عدد من المشاهير في عالم الفن إلى مساعدة الخيول بمطالبة البيت الأبيض بالتدخل لإيقاف الحملة، كما أطلق نشطاء حقوق الحيوان حملة كبيرة لتسليط الضوء على قسوة هذه الممارسة التي يقولون انها ترعب الخيول وتتسبب في أحيان كثيرة في إيذائها جسدياً وأيضاً في فصل المهور الصغيرة عن أمهاتها.

لكن في بعض الأوساط الأخرى بدأ سحر الموستانغ يتضاءل بشكل كبير، حيث يشتكي خبراء إدارة الأراضي من أنه في حين يأسر قطيع الخيول البرية القلوب بمنظره الرومانسي الرائع، فإنه أيضاً يمكن أن يتسبب بأضرار كبيرة للثقوب المائية الطبيعية والأعشاب والشجيرات التي تعتمد عليها أصناف أخرى من الحياة البرية.

وفي الحقيقة، بالطبع، فإن الجدل المثار الآن في أميركا حول خيول الموستانغ ليس إلا نسخة مشابهة للجدل الدائر في مختلف القارات حول قضية السيطرة على أعداد أنواع معينة من الحيوانات، كالفيلة في إفريقيا أو الفقمة كندا أو القنفذ في اسكتلندا، مع فارق مهم وهو انه في الولايات المتحدة لا يتم إعدام الخيول غير المرغوب بها، كما يحدث مع بقية الحيوانات المذكورة.

وبدلاً من ذلك يتم إخضاعها لفحص بيطري وترسل إلى مراكز إيواء حكومية في كل من كنساس وأوكلاهوما. والمشكلة هي ان تلك المراكز شديدة الاكتظاظ، إذ تضم من الحيوانات ما يساوي عدداً كل الحيوانات الحرة في البراري، وهو ما يكلف دافعي الضرائب الأميركيين حوالي 30 مليون دولار سنوياً لرعاية حوالي 30 ألف حصان بري في تلك المراعي. ولاستعادة جزء من هذه الأموال، يدير مكتب إدارة الأراضي من سنوات برنامج «تبني حصاناً»، يتيح لأي مواطن شراء حصان واصطحابه إلى مزرعته أو بيته لرعايته بنفسه.

ويرى عشاق الخيول البرية انها، عندما تروض، تمتلك سمات مميزة تفتقر إليها نظيراتها المدجنة. لكن تربية الحصان مكلفة، ولا عجب أن تتراجع معدلات تبني هذه الحيوانات في الآونة الأخيرة نظراً لارتفاع أسعار الأعلاف إضافة إلى تأثير الركود الاقتصادي. حتى انه قبل حوالي عام أو عامين كان هناك حديث عن إعدام بعض الخيول المحتجزة في المراعي لإتاحة المجال أمام أسر المزيد من الخيول التي تجوب البراري، لكن كما كان متوقعاً لم تتم الموافقة على ذلك الاقتراح بفضل جهود لوبي حقوق الحيوان، الذي خشي ان تكون تلك مقدمة لتشريع ذبح الخيول وإرسالها إلى البلدان التي تأكل لحمها.

إعداد: علي محمد