تتمدد بين جبال رأس الخيمة وتطاول أشجار النخيل ثباتاً

«شمل» قرية هادئة تحيا بذكريات الزمن الجميل

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

البحث عن مدينة قديمة من مدن الدولة، وهي لا شك منتشرة في كل أرجائها، يكشف لك أحيانا عن شواهد ومعالم تاريخية، بل وربما يدفع بك الفضول، لمعرفة الكثير عن حياة الناس وطبائعهم، ورحلتي إلى منطقة «شمل» في إمارة رأس الخيمة، كانت مليئة بالمفآجات، حيث اكتشفت أولاً جمال المنطقة، ومزارعها الغنية بأشجار النخيل والسدر.

وتلك السلسلة الجبلية التي تحتضن شمل من كل مكان، يكاد المرء أن يرى علاقة حميمية، تربط بين هذه الجبال، وبين النخلات الباسقات من جهة، وبين أبناء المنطقة، الذين يتحدثون عن تاريخ منطقتهم، وهم مشدودون لتاريخ آبائهم وأجدادهم، لقد مررت بدروب ومسالك كثيرة، واستوقفتني معالم ومنازل، منها ما ارتبط اسمه بشخصيات، تركت في حاضرنا بصمات وذكريات لا تنسى، حين كانت تأوي للمنطقة بحثا عن الهدؤ والراحة، تستنشق الهواء العليل، وتستظل بظلال الأشجار.

وتنعم بالفاكهة والخضرة التي تزرع بأراضي زراعية غنية بمياهها العذبة، كذلك من معالم «شمل» الجدران الدفاعية وخزانات الماء، والتي لا زال محتفظة بأسقفها الأصلية، كبقايا من الماضي المجيد، وهي مشدودة على إحدى الهضاب، وتلك البيوت القديمة المهجورة، والبرج القديم المجاور الذي يقدر عمره بحوالي 200 عام، لقد أفقت على حقيقة واحدة، وهي أن «شمل» منطقة، يفوح منها عبق التاريخ، وأصالة الإنسان، ووفاء وإخلاص الناس لبعضهم، هكذا وجدت هذه المنطقة، بجمالها وحنينها إلى كل ما هو جميل، وأكثر من ذلك لقد اكتشفت فيها تلك البيوت القديمة التي سكنها قوم آل مكتوم في مرحلة سابقة من بدايات القرن الماضي.

تاريخ ومعالم

للتجول في منطقة شمل، ولمعرفة الكثير من تاريخ هذه المنطقة، لا بد من مرشد يدلك على الأمكنة والمعالم، وكان أول من التقينا به سالم بن سعيد بن سالم بن زيدوه «76» عاما من مواليد شمل، والذي أول ما حدثنا به عن نفسه وذكرياته في المنطقة حيث قال في مستهل حديثه لنا: ولدت في هذه المنطقة وترعرعت فيها طفلا وشابا وشيخا، باستثناء فترة قصيرة هاجرت فيها إلى الكويت.

ولكن عدت بعد ذلك لاستقر نهائيا هنا وسط بيوت شمل القديمة، وأشجارها ومزارعها وهوائها العليل، بعد الاستقرار عملت مع الشيخة المغفور لها بإذن الله موزة بنت سعيد مكتوم آل مكتوم، عمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، كانت رحمها الله تأتي إلى المنطقة بين وقت وآخر.

فالمنطقة كانت تنعم بالهدوء وبهوائها العليل ومائها وخضرتها التي تثمر على مدى العام، عرفها أبناء المنطقة، بأخلاقها الرفيعة وأفعالها الخيرة، ولها أيادٍ بيضاء مع الجميع من أهل المنطقة، وللمرحومة في منطقة «شمل» أملاك ومزارع واسعة وكبيرة لاتزال قائمة حتى اليوم، تحمل ذكريات من الماضي الجميل، وهي ذكريات لايزال أهل المنطقة يتحدثون عنها حتى اليوم،عملت مع المغفور لها منذ أكثر من 60 عاما، في الزراعة والفلاحة، واليوم قائم بالحراسة على هذه الأملاك الكبيرة.

بيت الشيخ سعيد

ومن أملاكها رحمها الله إلى جانب المزارع المنتشرة في كل أرجاء شمل، بيوتها القديمة وهي لا تزال قائمة تجسد ملامح تلك المرحلة، فالبيت القديم أول ما سكنت فيه، كان في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي وربما قبل ذلك بكثير، والبيت الآخر بنته في أيام حياتها وكان مقر إقامتها أثناء زيارتها للمنطقة حتى وفاتها، وهو أيضا محافظ على بنائه القديم، الذي صمم بالطراز المعماري الإماراتي القديم، وعلى بعد عشرات الأمتار من هذا البيت، يطل منزل آخر شيد أيضا على الطراز المعماري القديم، كان يسكنه المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، أثناء زيارته للمنطقة.

ومعالم كثيرة من هذا البيت لا تزال باقية حتى اليوم، حيث يوجد خط كتب باليد، يؤرخ متى شيد البيت وملحقاته، وبعض الآيات القرانية التي خطت أيضا بخد اليد، إلا أنها بارزة ويمكن قراءتها بوضوح، وفترة حكم المغفور له الشيخ سعيد معروف أنها فترة طويلة حكم فيها إمارة دبي، إلى أن رحل في عام 1958، كان الشيخ سعيد يأتي بين الحين والآخر للمنطقة، وهو رجل تقي مؤمن أحبه أهل المنطقة، وله مواقف إنسانية يشهد لها في «شمل».

وهذا البيت بقيت منه بعض المعالم، مثل الحوض والسكن والغرف، وغالبها آيل للسقوط، إلا أنه في واقع أبناء المنطقة، مكان خالد ومعلم له بصمات خالدة، كبصمات من سكنه في الزمن الماضي، وفي اعتقادي ان هذا البيت بني في بداية العشرينات من القرن الماضي، وهو محاط بعدد كبير من المزارع الخاصة بالشيخة موزة بنت سعيد رحمها الله.

ذكريات مضت

ويضيف بن زيدوه قائلا عن تاريخ منطقة شمل: المنطقة تعرف أكثر ببيوتها القديمة المهجورة، والمزارع وآبار الماء الحلوة التي كانت تنتشر بكثرة في الحقبة الماضية، أما اليوم فالآبار مياها مالحة ولا تصلح للزراعة، وشمل هي من أكبر مناطق إمارة رأس الخيمة، منطقة جميلة وخلابة خاصة في فصل الشتاء حيث يتردد عليها زوار كثيرون كانوا يأتوا لها في الماضي، ولايزال البعض يزورها حتى في الوقت الحاضر.

أما عن اسمها القديم يقال انه كان اسمها «بزنوبيا» وهناك موقع يحمل اسم «حصن الزباء» يقع على جبل صغير، ويطل على المنطقة وهذا الموقع ما زال مزار الكثير من الناس، ومن معالم المنطقة القائمة سور القلعة الذي يكاد أن يختفي أمام نظر الناس، بسبب عدم الترميم والاهتمام به، وهناك قلاع كثيرة استخدمها أهالي شمل في الدفاع عن أنفسهم، في الحقب الماضية، أما الصورة التي عليها اليوم منطقة شمل، فهي للناظرين والزوار، لوحة تتداخل فيها الخضرة وأشجار النخيل مع الجبال والتلال، هذه اللوحة لها أبعاد كثيرة من العمق والغموض في نفس الوقت، وتغري بالدخول إلى تفاصيلها، وهناك سيجد الزائر لها ظلاً لنخيل لا يرحل، وجبال راسخة كرسوخ أبناء المنطقة.

وبيوت قديمة تحتفظ بالذكرى والماضي، بيوت يرفض سكانها تسليمها للعراء أو الابتعاد عنها، هذه البيوت ولطالما بقيت استراحة لهم، بل واحة للسكينة والهدوء، رفض أهل شمل السفر عبر النسيان، وأبقوا على تمسكهم بالزمان والمكان، يحكون في كل مساء قصة شمل، التي تعني شمل العائلة الواحدة، والتي يعود نسبها إلى قبيلة «الشميلي»، هذه ذكريات مضى عليها زمن، ولكن بقيت حية في القلوب، وفي حنايا النفوس.

معّلم

قصرالزباء ..قصص وأحاديث سكان شمل

يطلق على المعلم التاريخي «الزباء» الواقع على تلة صخرية عالية في منطقة شمل برأس الخيمة، القلعة أو الحصن وغالبية أهل المنطقة يسمونه «حصن الزباء» إذ يضم قلاعا قديمة وغرفاً وسوراً محاطاً بالحصن لا تزال ملامحه ظاهرة للعيان، ووقوع هذا الحصن في مكان مرتفع يتيح له المراقبة الكاملة من جميع الجهات وخصوصاً شماله وجنوبه، فالبحر أمامه مباشرة، وفي نفس الوقت لا يبتعد بناء الحصن وموقعه من الناحية الأخرى، عن بيوت أهل منطقة شمل سوى بمئات من المترات، ويعتقد سكان المنطقة، أن «الزباء» عندما وصلت رأس الخيمة.

وضعت لها لمسات حضارية وتاريخية، ولهم فيها قصص وأحاديث وتفسيرات كثيرة، منها أنها ملكة أتت من مناطق قريبة، عمان آو اليمن وسكنت رأس الخيمة وبالذات في منطقة شمل، وأنها اختارت لنفسها هذا الموقع الفريد، حيث تشاهد من حصنها أو قصرها البحر، وتراقب الحركة التجارية الآتية من شمال الخليج، والمتجهة إلى بلاد الهند والصين، إضافة إلى كون المنطقة زراعية، فقد أحاطت قصرها بالعديد من مزارع أشجار النخيل.

جميل محسن

طباعة Email