على مهل، وبفضل دأب عدد كبير من الباحتين من مختلف أرجاء العالم، تتكشف أسرار الجسر الغامض الذي يربط الأحياء بالموتى في الصين، وهي الأسرار التي يعتقد أنها تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام مضت.
ويقول الباحث بيتر هسلر،الذي يعكف على تأليف كتاب عن الصين بعنوان «انطلاقة بلد ـ رحلة عبر الصين». إنه خلال إقامته في منطقة وادي الربيع، التي تبعد عن بكين مسيرة ساعتين بالسيارة، قد أطل للمرة الأولى على أسرار ما يعرف بلغة الماندرين بـ «كينجمينج». أي «يوم البهاء الساطع». وهو اليوم الذي ينطلق فيه أبناء الصين لرعاية مقابر أسلافهم.
ويشير إلى أنه انطلق في هذا اليوم مع الرجال من أبناء القرية إلى الجبل القريب منها، حيث توجد مقبرة القرية، وقد حمل كل منهم سلة مسطحة متخذة من الخيزران المضفور وجاروفا، وارتدوا ملابس العمل اليومية، ومضوا إلى مقابر القرية، وبدأ كل منهم في العناية بمقابر أقاربه، بداية بأقربهم من حيث الرحيل عن عالم الفانين.
حيث يتم انتزاع الأعشاب وإبعادها عن القبور، ويراكم فوقها التراب، ويأتي بعد ذلك ترك هدايا خاصة للموتى، مثل زجاجات المشروبات وعلب السجائر وحرق أوراق مالية مخصصة لهذا الغرض مكتوب عليها «مصرف السماء المحدود».
ويعتقد أبناء الريف الصيني أن مراكمة التراب على القبور قبل إطلالة الفجر تعني أن الموتى سيحظون في الحياة الآخرة بسقف من الطابوق، أما إذا لم يتم اللحاق بهذا التوقيت، فإن ذلك يعني أنهم لن يحصلوا إلا على سقف من السعف وأغصان الشجر فحسب.
ويرى الباحثون أن هذا الشكل المبسط لعلاقة الأحياء بالموتى في الصين هو البقية الباقية من طقوس كبرى، تراجعت على مر الزمن، لتصبح أقرب إلى الإيماءات الرمزية أكثر من أي شيء آخر.
ويقول الباحث هيسرل إنه في كل عام يقل عدد القرويين الذين يمضون في هذه الرحلة الطقوسية إلى الجبل القريب من بلدتهم للاحتفال بيوم البهاء الساطع. ومع ذلك، فإن الجوانب المادية لهذا الاحتفال تظل لها أهميتها، فلابد من ترك هدايا المشروبات والسجائر وحرق الأوراق المالية المخصصة للمقابر في ذلك اليوم.
لكن التغيرات التي تشهدها الصين اليوم هي تغيرات كاسحة، بالنسبة للأحياء والموتى على السواء، فالمقابر تكتسحها مشروعات البناء الكبرى، وخاصة المتعلقة بالبنية الأساسية، كالطرق والجسور، والكثير من سكان الريف الصيني هاجروا إلى المدن، الأمر الذي يجعل من المستحيل عليهم العودة إلى قراهم من أجل الاحتفال بيوم البهاء الساطع.
والبعض يبادرون إلى أساليب بديلة لرعاية المقابر، فهناك مواقع على الإنترنت تسمح للأحفاد بالرعاية الافتراضية لمقابر الأسلاف، ولكن من الصعب التفكير في الماضي في بلد يتغير بسرعة هادرة، ولهذا فإن العديد من العادات والتقاليد الصينية تذوي إلى حد التلاشي.
ويجد الكثيرون صعوبة كبرى في الجمع بين هذا الواقع وبين الحقيقة القائلة أن الصين هي نفسها البلد الذي تكشفت مقابره عن جيش كامل من التماثيل الفخارية، المعروفة باسم الجنود الأشباح، الذين يعود تاريخهم إلى 2200 عام مضت، والذين يعدون تكريما شامخا لأول إمبراطور صيني.
