لربما لم يشهد التاريخ مسؤولاً يتقلد منصباً رفيعاً في «بلده» وهو في حقيقة الأمر يتكلم لغتها بصعوبة كما يرطن بها الأجانب أو المقيمون على أرضها.

لكنه يقيناً واقع الحال مع زعيم «حزب المناطق» الأوكراني ورئيس الوزراء السابق فيكتور يانوكوفيتش الذي يفاخر بأن لغته الروسية أفكه من تلك الأوكرانية. ولد يانوكوفيتش لأبٍ روسي ونشأ في إقليم دانتسك جنوب شرقي أوكرانيا تلك المنطقة التي تقطنها أغلبية من الأقلية الروسية في البلاد.

ولهذا، كما يقول هو شخصياً، فإنه يسعى إلى تعلم الأوكرانية بأقصى جهده مع تندر خصومه على الدوام بأخطائه الإملائية والنحوية حينما ينطق لسانه بلغة وطنه. وكان من السهل، والحال كذلك، على منافسيه اتهامه بالعمالة لروسيا وبأنه ليس أكثر من «رجل الكرملين» في كييف.

خاصة إثر الانتخابات الرئاسية التي جرت شتاء العام 2004 وأعقبتها احتجاجات الثورة البرتقالية إثر أعمال التزوير واسعة النطاق اتهم الكرملين بتدبيرها لصالح يانوكوفيتش ضد خصمه القومي الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو.

كانت سني شبابه مثيرة للجدل كما هي حياته السياسية وتوجهاته، فألقي القبض عليه مرتين. الأولى، أودع على إثرها إصلاحية الأحداث بسبب عضويته في عصابة من المراهقين كانت تجوب الشوارع وتمارس السرقة، والأخرى لعامين بعدما اتهم بالسرقة أيضاً فضلاً عن الاغتصاب.

ولكن ذلك الشاب الذي فقد عائلته وهو صغير وتحسس معنى أن ينام المرء جائعاً ويستيقظ على وقع ضربات برد أوكرانيا، أدرك أن الأيام يداولها الله بين الناس فيوم عليه وآخر له.

ابتسمت الدنيا ليانوكوفيتش حينما قام الرئيس الأوكراني «الروسي» السابق ليونيد كوشما بتعيينه رئيساً للحكومة العام 2002 بعدما رآه يحسن صنعاً كحاكمٍ لإقليم دانتسك أواخر التسعينيات. ورغم ما قيل عن تحالفه مع روسيا ورفضه فكرة الانضمام لحلف «ناتو». أمر يانوكوفيتش بإرسال قوات إلى العراق لمساندة الجيش الأميركي ودعا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

تنحى يانوكوفيتش عن سدة رئاسة الوزراء إثر الثورة البرتقالية ولكنه عاد عام 2006 ل16 شهراً بعدما دبت الخلافات بين يوشينكو وحليفته السابقة يوليا تيموشينكو التي اقتنصت المنصب عقب الثورة.

يتهم زعيم «حزب الأقاليم» بنسج علاقات مشبوهة مع كبار رموز «الأوليغاركية» في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الذين تسيدوا المشهد الاقتصادي ووقفوا وراء تحريك السياسي.

ومن هؤلاء يبرز اسم رينات أخميتوف الملياردير الشاب وابن مدينة دانتسك نفسها ومالك ناديها الكروي المعروف «شختار دانتسك» وممول حملة يانوكوفيتش الانتخابية عام 2004 والعضو الناشط في «حزب الأقاليم».. وكفى!!.

يحظى يانوكوفيتش بشعبية جارفة في الجنوب والشرق وهو يتصدر استطلاعات الرأي التي تعطيه الأفضلية للفوز في انتخابات الرئاسة التي ستنظم بعد غدٍ الأحد ليحقق رغبةً راودته منذ أعوامٍ لم يكن ليحلم بها حينما كان يافعاً.

رؤوف بكر