في يوم من الأيام في زمن ليس ببعيد، كانت مجرد فكرة أن يكون بوسع المرء تخزين مكتبته الموسيقية كاملة في جهاز صغير واحد يحمل باليد تبدو غير قابلة للتصديق، ناهيك عن فكرة تخزين نسخة احتياطية عن جميع ملفاتك الحاسوبية الأساسية في بطاقة ذاكرة صغيرة معلقة في لوحة مفاتيحه، أو تخزين آلاف الصور عالية الدقة في كاميرا بحجم الجيب.
لقد قطع العلم أشواطاً كبيرة جداً في هذا المجال خلال العقد الماضي. فالمستحيل أصبح الآن ممكناً بفضل التطور السريع لتكنولوجيا الذاكرة التي تسمى «فلاش». إذن أين التكنولوجيا التي تتيح لنا مجموعة كاملة من تسجيلات الفيديو عالية الدقة على رقاقة واحدة؟ ذاكرة الفلاش غير قادرة على ذلك حتى الآن.
لكن يتم الآن في عدد من المختبرات العلمية في أنحاء العالم تطوير جيل جديد من التقنيات المثيرة التي قد تجعل مثل هذه الأحلام قابلة للتحقيق.
وهذه «الذاكرات السوبر» تقترب من تحقيق رؤيا طموحة طرحها عالم الفيزياء المخضرم ريتشارد فيمان قبل خمسين عاما من الآن. ففي محاضرة ألقاها في مثل هذا الشهر قبل خمسة عقود أمام اجتماع الجمعية الأميركية الفيزيائية بعنوان «هناك متسع كبير في القاع»، تساءل فيمان ما إذا كان العالم سيشهد ذات يوم إمكانية تخزين جميع مجلدات موسوعة بريتانيكا البالغ عددها 24 مجلداً في ذاكرة بحجم رأس الدبوس.
وقدر، في حساباته، أن كل نقطة حبر مستخدمة في طباعة كل حرف من الموسوعة يجب أن يختزل حجمها إلى ما يعادل حجم 400 ذرة فقط، أي بمساحة مربع طول ضلعه 5 نانو مترات فقط.
وتوقع فيمان في حينها ان الناس في عام 2000 سيستغربون كيف لم يبدأ العلم حتى عام 1960 باستكشاف «المتسع الموجود في القاع»، وهو ما يعرف اليوم بالمقياس النانومتري. وسواء كانت البداية متأخرة أم لا، فإن التقدم الذي تم إحرازه في اختزال حجم وسائل تخزين المعلومات إلى المستوى النانومتري في العقود التي مضت منذ ذلك الحين كان تقدماً مذهلاً بكل المقاييس.
واليوم لا يتجاوز حجم أصغر وحدة تخزين رقمية 40 نانومتراً في الأجهزة التجارية. ولقد طرحت في الأسواق قبل شهرين فقط أول ذاكرة فلاش قادرة على تخزين 64 جيجابت من المعلومات.
لكن الخبراء يجمعون على انه سيكون من الصعب مواصلة مسيرة التقدم بنفس الوتيرة مع وصول جهود اختزال حجم دوائر الذاكرة إلى حائط مسدود عند عتبة 20 نانومتراً للوحدة، حيث تبدأ الإلكترونات بالتسرب إذا اختزل حجم وحدات التخزين الأساسية إلى اقل من هذا الحد.
من هنا تأتي أهمية تقنيات التخزين المبتكرة التي يعول عليها العالم في مستقبل التكنولوجيا الرقمية. ويأتي في مقدمة تلك التقنيات التي تنافس على عرش «الفلاش» ذاكرة الوصول العشوائي المقاوم مغناطيسياً والتي تسمى اختصاراً «إم ـ رام». وتخزن رقائق هذه الذاكرة التي يتم تطويرها منذ تسعينات القرن المنصرم المعلومات ضمن طبقتين رقيقتين من المواد المغناطيسية، كل منها مقسمة إلى شكبة خلايا.
إحدى الطبقتين عبارة عن مغناطيس دائم لا يتغير اتجاه مجاله المغناطيسي، بينما تتكون الطبقة الأخرى من مغناطيس مؤقت يمكن إدارة اتجاه مجاله المغناطيسي بزاوية 180 درجة عند تطبيق تيار كهربائي أو حقل مغناطيسي ضئيل. ومن واقع التناسق النسبي للمجالين المغناطيسيين للطبقتين يتم تحديد السمة الرقمية ل«البت» بـ 0 أو 1.
ويعتبر استخدام ذاكرات «إم- رام» لأسلوب المغنطة نقطة قوة وضعف في نفس الوقت: فهو يوفر طريقة سهلة وسريعة لكتابة وقراءة المعلومات بأجزاء من الثانية، لكنه من ناحية أخرى يمثل تحدياً كبيراً لأن تغير الحالة المغناطيسية مغنطة لخلية يؤثر على الخلايا المجاورة أيضاً. إلا أن عدداً من شركات الإلكترونيات، بما في ذلك هيتاشي وتوشيبا مازال يعمل على تحسين التصميم ويضع ثقته في مستقبل هذا النوع من تقنيات التخزين.
إلا أن ذاكرة «إم- رام» ليست اللاعب الوحيد على الساحة، إذ يعمل الخبراء في العديد من مراكز أبحاث التكنولوجيا في أنحاء العالم على تطوير بدائل متطورة أخرى بما في ذلك تقنيات «في- رام»، آر- رام»، «بي سي رام» على أمل أن تكون إحداها مفتاح الثورة الرقمية التالية والضمان باستمرارية تقدم الصناعات الإلكترونية الرقمية عندما تصل تقنية الفلاش إلى أعلى سقف للتطوير.
ومن يدري ربما نشهد قريباً تحقيق رؤيا الفيزيائي الشهير فيمان بتخزين محتوى 24 مجلدا ضخماً في رأس دبوس.
تقنية إم ـ رام
في مقدمة تقنيات التخزين المبتكرة التي تنافس على عرش «الفلاش» ذاكرة الوصول العشوائي المقاوم مغناطيسياً والتي تسمى اختصاراً «إم- رام». وتخزن رقائق هذه الذاكرة التي يتم تطويرها منذ تسعينيات القرن المنصرم المعلومات ضمن طبقتين رقيقتين من المواد المغنطيسية، كل منها مقسمة إلى شكبة خلايا.
إحدى الطبقتين عبارة عن مغناطيس دائم لا يتغير اتجاه مجاله المغناطيسي، بينما تتكون الطبقة الأخرى من مغناطيس مؤقت يمكن إدارة اتجاه مجاله المغناطيسي بزاوية 180 درجة عند تطبيق تيار كهربائي أو حقل مغناطيسي ضئيل. ومن واقع التناسق النسبي للمجالين المغناطيسيين للطبقتين يتم تحديد السمة الرقمية لـ«البت» بـ 0 أو 1.
إعداد ـ علي محمد
