في وسط الصحراء وعلى يمين طريق دبي العابر تقع بالفعل واحة تبهج القلب وتريح البصر، إنها مشتل واحة الصحراء والذي ينتشر على مساحة مليون قدم مربع، وما يدعو للفخر والاعتزاز أن العاملين فيه هم من المعاقين ومنتجاتهم تضم أشجار الزينة والزهور والنباتات الصحراوية وأشجار الفاكهة وتسهم في تشجير وتزيين العديد من المواقع والأماكن في دولة الإمارات العربية المتحدة مثل الحدائق العامة والشوارع ومداخل الفنادق فيما يتم تصدير بعضها إلى عدد من الدول المجاورة.
وفي مشتل واحة الصحراء التقينا علي إبراهيم بادي عضو مجلس إدارة مجموعة الصحراء التي يتبعها المشتل ليحدثنا بالتفصيل عن هذا المشروع والعاملين فيه، حيث قال إن عدد العاملين في المشتل 40 شابا من المعاقين وأن ما دفعنا في الحقيقة لاختيارهم للعمل في هذا المشتل هو تحقيق قرأته في جريدة البيان حول ضرورة تشغيل المعاقين وفتح آفاق العمل أمامهم حتى يساهموا بعطائهم في تقدم الدولة ودفع عملية التنمية الاقتصادية وألا يبقوا عالة على غيرهم. وقال: عندما طرحت الفكرة على سعيد الغيث صاحب الشركة رحب بها كثيرا وأعطى تعليماته بحرية التصرف وتذليل كل الصعوبات التي قد تقف أمامها.
فذهبنا إلى وزارة الشؤون الاجتماعية وأخذنا 10 طلاب من المعاقين وأخذنا عددا آخر من مدرسة دبي للمعاقين، وقد وفرنا لهم 3 باصات لنقلهم من أماكن سكنهم المختلفة إلى موقع العمل ثم إعادتهم ثانية إلى بيوتهم، ووجدنا أن هؤلاء المعاقين وخاصة الصم والبكم منهم بحاجة لدورات تدريبية لتأهيلهم للعمل. وكذلك بحاجة لمشرفين ليقوموا بتوجيههم وتدريبهم العمل والإشراف عليه فعينا المشرفين وجهزنا للعاملين أماكن خاصة بهم مثل صالة للألعاب وأخرى للإفطار والاجتماعات وحمامات خاصة بهم ووفرنا لهم التأمين الصحي والتقاعدي ووجبة إفطار بالإضافة للرواتب الشهرية التي تزيد على 4000 درهم ونقوم بكل الأعمال التشجيعية لتحفيزهم على العمل مثل الرحلات الشهرية واختيار الموظف المثالي .
وقال البادي إننا نشعر بأن الله قد بارك لنا في عملنا منذ اشتغل لدينا هؤلاء المعاقون وقد لمسنا ذلك بأيدينا فنحن نعاملهم معاملة تحببهم فينا وفي العمل ونحسسهم بالألفة من أجل منحهم الاستقرار والعمل بإنتاجية أفضل ونحن على تواصل دائم مع عائلاتهم ومعرفة احتياجاتهم. ونتلقى من أهاليهم في أول كل شهر توصياتهم التي يكتبونها لنا في دفتر خاص ومثلا كان موضوع الإفطار وإحضار كراسي ليجلسوا عليها أثناء العمل من اقتراحات الأهالي، ونشعر كثيرا بالرضا وشكر الله الذي قدرنا على تشغيل هؤلاء المعاقين خصوصا وأننا نتلمس الدعوات من 40 بيتا يسكنها المعاقون.
جولة على الطبيعة
وقد قمنا بجولة ميدانية برفقة علي البادي للاطلاع على المعاقين أثناء عملهم على الطبيعة فوجدناهم لا يعرفون الكسل أو الملل ويعملون بكل همة ونشاط في مختلف أماكن العمل من تعبئة العلب المخصصة للزراعة بالسماد ورصها وري المزروعات وتحميل النباتات المباعة في السيارات.
ثم التقينا عددا من هؤلاء المعاقين ومنهم حارب محمد علي والذي أمضى 4 سنوات من العمل في هذا المشتل عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية كأول مكان يشتغل فيه بعد تخرجه من مدرسة دبي للمعاقين.
وهو يعمل على تحميل الشتلات والنباتات في سيارات النقل لبيعها ويشعر بكل الراحة والانبساط في عمله الذي يبدأ الساعة الثامنة صباحا وينتهي في الساعة الثانية بعد الظهر وينصح حارب زملاءه الذين لا يعملون بان يلتحقوا في العمل لأن في ذلك فائدة لهم وللمجتمع.
مهارة وسرعة
اللقاء الآخر كان مع سيف سعيد سيف 26 عاما وهو متزوج ولديه ولد اسمه سعيد له من العمر عام واحد ويتمنى أن يكون ابنه أفضل وضعا منه، يركب سيف الباص يوميا من منطقة الطوار في دبي عند الساعة السابعة والنصف ويأتي إلى عمله حيث يعتبر من أسرع وأمهر الشباب في تعبئة السماد إذ يصل مجموع ما يعمله إلى نحو 21 ألف عبوة يوميا.
لذلك فهو سعيد في عمله لأنه يشعر انه بين إخوته حيث يعاملهم المشرفون بكل احترام ولا يبخلون عليهم بالتوجيه والإرشاد، وفي أوقات فراغه يمارس سيف رياضة رفع الأثقال والألعاب الالكترونية على جهاز الكومبيوتر.
عمل ومراقبة
أما راشد عبيد سعيد 24 عاماً فهو يسكن في منطقة ند الحمر في دبي وقد قدم للعمل في المشتل من مدرسة دبي لتأهيل المعاقين وهو يشرف على توقيع الشباب في دفتر جدول الحضور والانصراف ويعمل منذ 4 سنوات في مختلف قطاعات العمل في المشتل من تعبئة العبوات ورصها وتحميل السيارات بالنباتات ويستعد للزواج قريبا ويقم نصحه للشباب المعاقين ممن لا يعملون حاليا بالبحث عن عمل لان في ذلك مساعدة لأنفسهم ولأهلهم.
تأهيل
جعفر عبدالله يكتسب خبرة في الزراعة والنباتات
اكتسب جعفر حسن عبد الله والذي يسكن في منطقة الصفا في دبي خبرة جيدة في مجال الزراعة وقال انه يعرف الآن أسماء العديد من أنواع الورود مثل مرايا وسلطاني وروتانا وماندويلا وغيرها حيث أمضى 5 سنوات من الدراسة في مدرسة دبي للاحتياجات الخاصة قبل أن يلتحق بعمله هنا والذي يمضي فيه أسعد أوقاته.
حيث يحب زملاءه والذين يعمل معهم بروح الفريق الواحد ويتناولون طعام الإفطار معاً ويمارس هناك بعض هواياته في ألعاب الكومبيوتر ويدخر بعض المال من عمله حتى يستطيع الزواج . وجعفر يطلق عليه زملاؤه مطرب المجموعة حيث أسمعنا بعض الأغاني في نهاية اللقاء.
ولقد عزز العمل بروح الفريق في مشتل الصحراء من كفاءة جعفر وزاد من مهاراته وقدراته على دخول معترك الحياة مثل الأسوياء بما أمنه من دورات تدريبية أهلته للعمل وصالات الألعاب.
كما كان للاحتكاك مع الزملاء المعاقين الدور الكبير في تنمية مواهبه وخروج إبداعاته حيز الوجود.
بصمات
950 صنفاَ من النباتات بين أيدي المعاقين
أضافت مشاركة المعاقين في العمل في مشتل مجموعة الصحراء بعداً جمالياً آخر لما يحتضنه بين أركانه من العديد من أصناف النباتات والزهور.
حيث يعتبر المشتل مركز مبيعات لأكثر من 950 صنفا من النباتات والتي تتوزع ما بين الزهور على اختلاف أنواعها وأشجار الفاكهة وأشجار الظل والنباتات الصحراوية، حيث يستوعب السوق المحلي نحو 90% من الإنتاج ويتم تصدير الباقي إلى عمان وقطر وجيبوتي، ومن بين المشاريع التي قمنا بها تشجير الشوارع والحدائق والنوادي وجزيرة النخلة وأبراج الإمارات.
موسى أبو عيد



