سالم حميد مدير أول إدارة الدعم والتطوير الثقافي في هيئة دبي للثقافة والفنون، أحد عشاق السفر والمغامرة، الاستكشاف يجري مجرى الدم في عروقه وحب الاستطلاع فتح له أبواب الترحال على مصراعيها ليواجه المواقف الطريفة والغريبة وتشاء الظروف أن يحمل لواء الدفاع عن سمعة العرب أمام بعض صناع الأكاذيب في الغرب.
طاف عدداً كبيراً من البلاد قدرها بنصف بلاد العالم بعضها في عباءة المغامر والبعض الآخر في ثوب سائح شغفه بكل ما هو غريب حمله من أفريقيا إلى بريطانيا والولايات المتحدة والمكسيك وألمانيا ولبنان وزنجبار وجرينلند وغيرها.يقول حميد عن رحلته إلى جبال كلمنجارو التي تقع على الحدود بين تنزانيا وكينيا: كانت السماء صافية والهواء نظيفاً تماماً بعيداً عن سطح الأرض على أعلى قمة «كلمانجارو» الأفريقية في تنزانيا، حيث نمنا ليلة واحدة على القمة في خيمة صغيرة مع فريقي المكوّن من أربعة مساعدين أفارقة، لأجرّب البرد الأفريقي، ثم سرعان ما عدت أدراجي بعد إنهاء المهمة، لأرى مختلف المعسكرات المتنقلة الأوروبية منها والأميركية.
وفرق كشافة متكاملة العدد والعدة، بينما فريقي مكوّن من مغامر واحد هو أنا والبقية مساعدون مدفوعو الأجر، ويعود السبب إلى توقفي منذ العام 2001 عن المشاركة في الرحلات التي تنظمها المؤسسات الكشفية الغربية الراعية لهذه النوعية من المغامرات، واعتمادي على نفسي في جميع رحلاتي بدءاً من العام 2002 بعد تسلق جبل ايفيرست. ولا تزال أحلام المغامرات تراودني، عبر المسير في الغابات والأدغال والأنهار والجبال أو الطبيعة المتوفرة في تلك البلدان، والترحال من منطقة إلى أخرى في ظروف صعبة اتمرس من خلالها على كيفية التعايش مع الطبيعة.
عنصرية
وعن الصعوبات التي صادفته خلال رحلاته يقول حميد: من أصعب وأعقد المشاكل التي واجهتها مشكلة العنصرية، فمن سوء حظي كنت موجوداً في بريطانيا في أعقاب تفجيرات لندن يوم 10 يوليو 2005، لحضور مساق دراسي صيفي في إحدى الجامعات البريطانية لعدم توفر المساق في جامعتي الواقعة خارج لندن.
كانت لا تزال تداعيات التفجيرات مستمرة حتى على مستوى الجامعات، تعرض خلالها المسلمين للكثير من التمييز والعنصرية. فقد قامت الجامعة بتنظيم لعبة المطاردة وهي لعبة البنادق التي تطلق طلقات ملونة على الخصم وتم تصميم مدينة مهجورة في فناء الجامعة.
حيث تقوم اللعبة على أن المدينة محتلة من قبل عرب أشرار متوحشين يعيثون فساداً وتدميراً في المدينة، وينبغي على المشاركين «الأبطال» طرد العرب «الهمج»، على حد تعبيرهم، من المدينة..
ولأني كنت الطالب العربي الوحيد في تلك الفترة، فقد حملت إعلان اللعبة إلى مدير الجامعة أشكو تلك العنصرية ضد العرب، فأجاب بكل برود أن علي الذهاب إلى مدير مشروع اللعبة، كونها من تنظيم شركة تجارية، ففعلت وكان مما قلته له: إذا كنت تكره العرب، فهذا شأنك، لكنك لا تملك الحق في تعميم هذا الكره، وبالتالي تساهم في تشويه صورة العرب أمام الطلاب، لكنه لم يرغب الدخول في نقاش معي، وقال بكل صلف وغرور أن بإمكاني تقديم شكوى ضده.
أيضاً من المواقف التي تنم عن عنصرية شديدة تجاه العرب ما صادفته قبل بضعة سنوات عندما، كنت عائداً من المكسيك إلى الولايات المتحدة عبر مطار ميامي، مرتدياً القبعة المكسيكية التقليدية.
وفي المطار رأيت سيدة أميركية عجوز عاجزة عن حمل حقيبتها الثقيلة كي تضعها على العربة، ولم يبادر أي من الأميركيين إلى مساعدتها، فعرضتُ عليها المساعدة وحملت الحقيبة، فخاطبتني بالأسبانية قائلة: أنتم المكسيكيون شعب طيب، فأخبرتها بأني عربي ولست مكسيكياً، فقالت: جيد إنك أخبرتني، لأني كنت على وشك أن أشكرك، لكنكم أنتم العرب لا تستحقون الشكر. استشطت غضباً ألقيت الحقيبة على الأرض، وقلت لها: وأنتم الأميركيين لا تستحقون الإحسان، جدي لنفسك أميركياً يحملها لك.
محاجر العبيد
أما أطرف المواقف التي تعرض لها سالم حميد في سفراته ما حدث في جزيرة زنجبار عام 2005، يقول: دخلتُ أحد بقايا محاجر العبيد ورأيتُ مرشداً سياحياً يشرح تفاصيل المكان لفوج سياحي أميركي جميعهم من ذوي البشرة السوداء وعندما وصلت المكان سألني المرشد إن كنت انتمي إلى الفوج، فمازحته قائلاً:
في الحقيقة أنا انتمي إلى اسرة كانت تملك هذا المحجر وتمارس تجارة العبيد، ثم ما لبثت أن هربت من المكان لأنني شعرتُ أن الأميركيين كانوا على وشك التهامي، ولم استطع فهم أو التقاط أي شيء من الكم الهائل من الشتائم التي أطلقوها عليّ، باللهجة الأميركية الزنجية.
وعن الخدعة التي كشفها عند زيارته لأفريقيا منذ بضعة سنوات يروي: عقدتُ العزم على زيارة قبائل آكلة للحوم البشر في أدغال أفريقيا، واستعنت بمرافقين أفارقة منهم ثلاثة حمالين وطباخ ودليل أكد لي معرفته بجميع الطرق المؤدية إلى القبائل، وفي النهاية حاول خداعي وأوصلني إلى قبائل صائدي الأسود «الماساي».
معتقداً أنني أجهل من هم فيلاالماسايلالا، ويحاول إيهامي أنهم كانوا في الماضي يأكلون لحم الإنسان لكن شيخ القبيلة استقبلني بحفاوة، واستغربت مدى إجادته للإنجليزية بطلاقة، ثم أكد لي أنه لا وجود لآكلي لحوم البشر منذ عقود. حينها علمتُ أن الكثير من الشركات السياحية الأفريقية تستغل سذاجة المغامرين وتبيع الوهم لمن يرغب في رؤية آكلي لحوم البشر!
لصوص وخداع
يضيف حميد: من المواقف الصعبة التي مررتُ بها، أنني في إحدى الليالي نزلت إلى شوارع مدينة كانكون المكسيكية، ذات الأجواء الاستوائية، حتى ضللت طريقي في أحد أزقتها، فجأة خرج إليّ أربعة لصوص مكسيكيين، ولم أشعر إلا بأحدهم يصوب فوهة مسدسه نحو رأسي فيما الثلاثة الآخرين يشلون حركتي. قلت لهم أنني غريب ولا أعرفهم فلا فائدة من قتلي، بل سأعطيهم محفظتي وما بها من مال وبطاقة الائتمان بدون أدنى مقاومة..
سلمّتُ اللصوص المحفظة فتفحصوها ولم يجدوا فيها سوى 20 بيزو مكسيكي (نحو دولارين) وبطاقة ائتمان. لم يعجبهم المبلغ، فقاموا بتفتيشي فلم يجدوا شيئاً، فأقنعتهم بأن البطاقة تحتوي على الكثير من الأموال بإمكانهم صرفها بحرية قبل أن أقوم بالتبليغ عن فقدانها. وقبل أن يطلقوا سراحي طلبت منهم إرشادي إلى مكان فندقي، وفعلاً أرشدوني إلى المكان الصحيح وهم يضحكون ويقولون: كم نتمنى أن يكون جميع ضحايانا طيبين مطيعين وأغبياء مثلك.
لكن الحقيقة أنهم هم الأغبياء، فبطاقة الإئتمان المسروقة منتهية الصلاحية ولا فائدة منها، وعادة ما استخدمها والمحفظة الوهمية في السفر، أما المحفظة الأصلية اخبأها في جيوب سرية.
يقول حميد: أما آخر مغامرة كانت لعبور مسافات من جزيرة جرينلاد في القطب الشمالي، توقفت قبلها في جزيرة آيسلند أو «أرض الثلج»، وفي العاصمة الآيسلندية «ريكيافيك» كانت درجة الحرارة تبلغ 5 درجات مئوية في عز فصل الصيف عندما حطت طائرة الخطوط الآيسلندية على أرض مطار «كافلافيك» الأنيق.
عندما وصلت إلى شباك الجوازات، أخذ موظف الجوازات يقلب في جواز سفري باستغراب ليسألني: من أين أنت؟، وعندما عجزت عن تعريفه بدولة الإمارات، قلت له من دبي، ففرح قائلاً أن هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها بأحد من بلادي.
وبعد بضعة أيام توجهت بطائرة من نوع «فوكر» القديمة والتي تتأرجح بكل سهولة يمنة ويسرة وفوق وتحت بفعل الرياح إلى قرية «كولوسوك» الواقعة شرق جزيرة جرينلاند، وكان مطارها متواضعاً وصغيراً للغاية ومدرجها رملي وعدد العاملين فيها 4 فقط من السكان الأصليين الذين يُطلق عليهم لقب «الإسكيمو»، أنزلوا الحقائب ورموها على الأرض ليلتقتها المسافرين بأنفسهم!
وكنت مستعداً لإبراز تأشيرة الدخول إلى جرينلاند التي استغرق استخراجها من القنصلية الدنماركية في دبي مدة 6 أشهر كوّن جرينلاد محمية دنماركية لكنها استقلت أخيراً ورسمياً كجمهورية مستقلة، ولكن تعب الستة أشهر لاستخراج التأشيرة ذهب سدى لعدم وجود أحد للتدقيق على الجوازات!
وبعد ليلة شديدة البرودة بلغت نحو 15 تحت الصفر توجهت إلى الشمال لمواجهة برودة أشد بصحبة اثنين من المغامرين الآيسلنديين العمالقة، كنتُ أبدو قزماً عندما اقف بينهم، واستخدمنا في الرحلة أرجلنا وزورقاً بحرياً وزلاجة تجرها الكلاب.
أيمن حجازي


