تختلج في نفس المرء رغبة عارمة للغوص في تفاصيل التلال الشاردة، حين تمسك بها مياه المطر، فتشد حبيباتها بعضها إلى بعض، ومن ثم تبزغ النباتات الزائرة من بين تلك التفاصيل وقد روى جفافها فيض السماء. فتنتشي التلال بعيدها الحي، وترمي بساطها الأخضر الحولي على جنباتها، فتصبح الجنبات رسائل دعوة مفتوحة الأجل للناس لكل الناس، ممدودة حتى موسم الجفاف المقبل.

دعوات يلبيها الناس بلا تردد ولا تأخر، حتى قبل أن تكتمل صيغة الدعوة، وقبل أن تكمل التلال فرد بساطها، وقبل أن تنهي ارتداء ثوبها العشبي الحميم.

هكذا يرى الناس تحول الصحراء الدائمة إلى واحة معشوشبة ومزهرة في محض أيام.. أيام شرط أن تكون مطيرة.. مطيرة، يغتنمونها على عجل قبل انقضاء الغمام، وقبل أن تستدير الشمس المتوهجة نحو التلال، وقبل أن يلتفت شعاعها ليطرد السحب مفسحا لبريقه أن يسقط على الأرض، فيلتهم الحشائش ويستبقي الرمل لموسم مطير قادم قد يطول انتظاره.

بشرى خالد