امتهن الإبحار في لُجَجِ اللغة، دراسة وتدريساً وتأليفاً وترجمة، منذ أن تخرج حاملا الإجازة في اللغة العربية والآداب من الجامعة التونسية عام 1969.
ولد عبد السلام المسدي عام 1945 في مدينة صفاقس في الجنوب التونسي، حاصل على دكتوراه الدولة منذ 1979، وارتقى إلى أعلى درجة جامعية 1984. اختار مجال اللسانيات أو «الألسنية»، وهي من التخصصات النادرة التي يتداخل فيها المنهج العلمي الصارم، مع النهج النقدي التحليلي للنصوص الإبداعية، إضافة إلى أنه تخصص حديث النشأة نسبيا، ولم يكن قد تجذّر عالميا في ستينات القرن العشرين، بينما لا يزال يحبو حتى اليوم في عالمنا العربي!انهمك في فقه اللغة وفلسفتها، ومارس التدريس في عدد من الجامعات، قبل أن يتقلد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الثمانينات، وعمل في الحقل الدبلوماسي مندوبا لتونس في الجامعة العربية وسفيرا في السعودية.
ثم عاد للتدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والتأليف، وهو عضو في مجامع اللغة العربية في كل من تونس، ليبيا، دمشق وبغداد، ونال العديد من الجوائز التقديرية، أحدثها جائزة سلطان العويس للنقد الأدبي 2009.
لكنه لم يقصر نشاطه في البحث الأكاديمي الصرف، وإنما ظل يبحث عن مرفأ إبداعي أدبي، «بين الشعر والنثر» تارة، وبطَرْق باب الرواية حيناً، ويعد لكتابة مذكراته التي يعتبرها «شهادة الذات على نفسها».
من مؤلفاته الكثيرة: «التفكير اللساني في الحضارة العربية»، «اللسانيات وأسسها المعرفية»، «ما وراء اللغة»، «الشرط في القرآن على نهج اللسانيات الوصفية»، و«الأسلوبية والأسلوب»، «قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون»، «النقد والحداثة»، «قضية البنيوية: دراسة ونماذج»، «في آليات النقد الأدبي»، «بين النص وصاحبه». وله «قاموس اللسانيات» (عربي فرنسي ـ فرنسي عربي).
ومن كتبه الأثيرة عنده «مرافئ الأشواق» الذي يعتبره «نسقا من الكتابة يقع ما بين الشعر والسرد»، وكذلك كتابه «فتنة الكلمات» الذي يصفه بأنه «كتابة إبداعية تبحث عن مكان بين الشعر والنثر»، إضافة إلى طرق باب الرواية عبر كتابه «رواية تبحث عن من يكبتها»..
يعتبر د. المَسدّي أن «السياسة واللغة قرينان متلازمان، وليس من قول في السياسة إلا خلفه فعل سياسي.. وما من فعل سياسي إلا وهو يُنتج بالضرورة خطاباً». بل يذهب إلى أن «اللغة أصبحت سلاحا من بين الأسلحة الأخرى التي يقوم عليها الصراع الدولي».
وفي ما يشبه الإشفاق وربما الرثاء، يقول: «لم يبق للغة مجال تلتزم فيه الحياد حيال الحدث، حيث لم يعد في قاموسها لفظ إذا استعمله المتكلم دل على أنه يقف في الدرجة الصفر من الدلالة..»!
شغلته الهوية كثيرا، وخاصة في علاقتها باللغة، حيث يعتقد ان «الأمة إذا لم تحْمِ مقومات هويتها، فإنها تحكم على نفسها بالضياع».
يرفض الثنائية بين التراث والحداثة أو بين العقل والنقل، ف«مثل هذا التفكير ثنائي القيمة يستضمر باطنيا لعبة سفسطائية كلاسيكية تخفي صراعا زائفا.. والأمر نفسه يمكن أن يقال حول ثنائيات أخرى قائمة بدورها على هذا التضاد الزائف عينه».
يرى أن تلهف الأدباء وتعجلهم للمردود النقدي لنصوصهم، يظهر الأديب وكأنه «يريد من الناقد أن يكون على ذمته»، وإن اعتبرها «نرجسية حميدة».
ورغم تعدد تخصصاته واهتماماته، يؤكد «كل صفاتي سياقات ظرفية في عقيدتي، ليس لها أي تأثير ولو جزئي في الجوهر، الذي هو الإحساس العميق بالمسؤولية تجاه النفس والآخرين، وتجاه علاقتي مع الوجود».
عبد الله إسحاق

