مات رافائيل كالديرا في 24 ديسمبر الماضي، لم يهتم كثيرون في العالم أو في منطقتنا باسم هذا السياسي المحنك الذي تولى رئاسة فنزويلا مرتين بين عامي 1969 و1974 و1994 و1999. ولربما لم يعر الكثيرون انتباههم نبأ وفاته فهو سياسي متقاعد هرم يتجاوز 93 عاماً ومصاب بمرض باركنسون الذي يبدو أن هوايته قبض أرواح المشاهير.

ولكن وعلى الرغم من أن كالديرا رحل بهدوء عشية عيد الميلاد دون أن يتسنى طلب أمنيةً أخيرة من شفيعٍ مفترض، إلا أنه اكتفى في ما يبدو بإدخال البهجة إلى قلوب الآخرين بمنحه العفو لخصومه وحبه لأعدائه الذين سلمهم كرسي الحكم طواعيةً. ولهذا تبدو شخصية هذا الرجل فريدةً من نوعها في عالم السياسة المليء بالمؤامرات والدسائس المسكونة بتيه الشك.

عندما قام الرئيس الفنزويلي الحالي هوغو شافيز بتزعم محاولة انقلاب عسكرية فاشلة العام 1992 استخدم كالديرا سيف القضاء وزج به وبرفاقه السجن. وفي خطوةٍ تزور أميركا الجنوبية مرةً كل مئات السنين مثل النيازك، أصدر الرئيس الفنزويلي الراحل أمراً بالعفو عن شافيز وزملائه المتآمرين العام 1994 ومع هذا لم يسلم من انتقادات الأخير اللاذعة طيلة الأعوام العشرة الماضية التي تقاعد فيها.

لطالما تميز كالديرا بتسريحة شعره وإصراره على استخدام مثبتات الشعر حتى الأيام الأخيرة من حياته، وهو كان من دشن سياسة التواصل المباشر مع الشعب، وذلك عبر التلفزيون ومن خلال برنامج «تحدث مع الرئيس» الذي أسهب من خلاله بشرح خططه وبرامج حكومته على الهواء مباشرةً. واستمر خليفته من بعده على المنوال ذاته وإن حاول تجيير البرنامج للدعاية الانتخابية الخاصة به.

عاش كالديرا إذاً أكثر من تسعة عقود مليئة بالانتصارات الانتخابية والهزائم على الضفة الأخرى والأحداث السياسية والهزات الاقتصادية، خاصةً في الولاية الثانية، متحدياً توقعات العرافيين الذين توقعوا موته مبكراً.

ولكنه كان مادةً دسمة لمقدمي البرامج الفكاهية الذين تندروا من أسلوبه في إلقاء الخطابات بعدما وصل أرذل العمر. وكما عانى في أواخر حياته، رضخ في طفولته لأوامر القدر الذي خطف منه والديه فتكفلت عمته بتنشئته. تعدت موهبة كالديرا فن السياسة فامتشق القلم ليؤلف العديد من الكتب الأدبية وينضم إلى أكاديمية اللغات في فنزويلا بفضل تحدثه الانجليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية والإيطالية فضلاً عن لغته الأم الإسبانية.

أرسى الرئيس الفنزويلي الراحل دعائم دولة المؤسسات فكان بحق رجل دولة استلم فنزويلا نهاية الستينات وهي تعاني من فوضى الحركات المسلحة في ظل حياةً سياسية مجمدة وقادة أحزاب قابعين في السجون، فقضى على تلك الظواهر وحول بلاده إلى جمهورية ديمقراطية وكفى، من دون أن يستحضر شعاراتٍ جوفاء من الماضي كما فعل غيره.. فوحدهم الناجحون يحققون أحلامهم بالاستفاقة منها.

رؤوف بكر