حين نقول ان نزار قباني هو صديق المرأة الأول فلأنه وَثقَ فهمه العميق لاحتياجات المرأة وترجمها كلمات ليست كالكلمات، فهل أبلغ أو أصدق من فهمه الكبير لعاطفة المرأة وتسامحها مع رجلها حين قال «كم قلت إني غير عائده له ورجعت..

ما أحلى الرجوع إليه»، لم يأت هذا الفهم من لا شيء، فللمرأة في حياة القباني صولات وجولات دارت في فضاء عمره السبعيني منذ ميلاده بدمشق في حي مئذنة الشحم عام 1923م، حتى وفاته عام 1998م، فشقيقته وصال التي توفيت وهي بريعان شبابها بمرض القلب أو الحب كما يدعي البعض، طلاقه من زوجته الأولى زهرة آقبيق، موت زوجته الثانية الحبيبة بلقيس أم زينب وعمر في انفجار السفارة العراقية ببيروت التي رفض أن يتزوج بعدها، حركت وأثرت في مسيرة تعاطف القباني مع المرأة فأنصفها حتى .وهو يهاجمها، فالمرأة لديه هي العفيفة الرصينة ليست المتهافتة الرخيصة، رسم لها أولويات الرجال وحذرها منهم حين قال لها» ماذا لديك.. فعندي من راحتيك اعتراف.. رسائل ورسوم تترى فماذا أخاف..

وحين يحمل الرجل كل هذا الفهم العميق والإبداع الواسع فإن لخلفيته الثقافية والمعرفية والاجتماعية دور، ورث جزء منها من عائلته العريقة فعمه أبو خليل القباني يعد من أوائل المبدعين في فن المسرح العربي، أخوه صباح قباني مدير الإذاعة والتلفاز السورية.

نال نزار شهادة البكالوريا من الكلية العلمية الوطنية بدمشق، تخرج عام1945م من كلية الحقوق في الجامعة السورية، ليعمل دبلوماسياً بوزارة الخارجية السورية كسفير في عدة مدن كالقاهرة، مدريد، ولندن، بيروت، وعام 1959 بعد الوحدة بين مصر وسوريا عُين سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين، قدم استقالته عام 1966، وانتقل إلى بيروت مؤسسا دار نشر خاصة «منشورات نزار قباني» التي أخرج منها روائع أعماله التي أحدثت طفرة في الشعر ونقلة نحو الحداثة.

وحين يجتمع الإحساس بالثقافة فلابد أن يكون إدراك المعنى الحقيقي للوطن والحرية حاضراً في شعر نزار، عاشق ياسمين الوطن الذي أهداه شارعاً حمل اسمه وحَمْلَهُ نزار حبه وإبداعه ليصل به إلى باقي شوارع الوطن العربي، التي أرهقه كما أرهقته عروبته المصدومة بفوضى السياسة وقصور الرجال الولادة للنكبات والنكسات، نزار شاعر الحب والوطن والألم تلخصه مرثيته في الحبيبة والوطن التي حمل العالم وزر موتها في انفجار السفارة العراقية عام 1982م بلقيس «شكراً لكم فحبيبتي قُتِلَت.

وصار بوسعكم أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة وقصيدتي اغتيلت وهل من أمة في الأرض إلا نحن تغتال القصيدة؟ بلقيس.. كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل بلقيس.

رحل نزار فرحل معه الإبداع، ورحل المدافع الأول عن المرأة والعاشق الأول لها، لكن عبق طوق الياسمين لا يزال يعطر بيادر أرضنا العربية بكلمات لشاعر قال كلمته ومشى.

رباب جبارة