حين يلوح الغيم في السماء، يلوح الأمل في النفس، وحين تتكاثف السحب الغامقة على ارتفاع منخفض، تتكاثف البشرى في الروح، وحين ينهمر المطر تنهمر الفرحة بسقيا الخير والبركة، فتنهال الأدعية وتتردد الابتهالات للمولى عز وجل بان يجعل الغيث غيث رحمة وليس عذاباً.
لقد طالت البشرى في انتظار المطر، حتى نسي البعض منظره ويئس البعض الآخر من رؤيته.. لكنه أتى على ظهور الغيوم وفي بطونها، فجادت السحب وهي ضاحكة بفيض حفظته في السدود، واختزنته الأرض. ثم عزف البرد المتساقط أنغام قدومه على الشبابيك وأسطح البيوت وإسفلت الشوارع، ورصعت الطرقات بحبات لؤلئية مبهجة لزائر غاب طويلا ثم عاد يجدد اللقاء، وتتجدد العهود السابقة في حضوره الدوري المنتظم.
من (زمان) كان لقطرات المطر وحبات البرد مفعولها السحري في النفوس والأرواح المتعطشة للري دائما، تشهد عليها الأوعية العميقة والأواني المعدنية الضخمة وهي تصطف في أفنية المنازل فاتحة أفواهها للسماء، حتى تفيض مياه المطر، فنجري إليها متسابقين متضاحكين، نتعاون على حملها مسرعين بها للداخل نفرغها ونعود بها لدورة أخرى من التعبئة والتفريغ تصحبنا بهجة الفوز بغنائم المطر.
وهكذا دواليك كنا نرقب المطر لنحتفل بملء الأواني كلها. كم كانت مياه المطر عزيزة وثمينة، نحفظها بعناية وسرور لتكون شرابا سائغا، وفاخرا نتباهى به حين تُعد به القهوة والشاي. وكان للبرد نصيب من الاحتفال حين نجمعه في أوان ملونة بحرص، ثم ننقيه جيدا لأنه دواء لداء العيون الملتهبة أو المتعبة.
كان للمطر مهرجان من المتعة الملهمة، وكأنها متعة الحصاد عند الجني وحصر المحصول. نعم هو كذلك مهرجان وأكثر، لأنه المطر، وبالمطر تبدأ الحياة فتزهر البراري، ومعه تطرب النفوس لضالتها.. فضالتها تكمن بين الماء والخضرة.
فاطمة الهديدي
