في غياهب العادات الوضعية التي تتعارض أو تكمل أو تزيد على القوانين الشرعية يتم السقوط من الأسفل إلى الأعلى، بين جدران شيدت على رقاب النصف الآخر والصمت كفئران كبيرة .
المكان: كل المجتمعات العالم ثالثية الزمان: تداخل لأزمنة متعددة ... منى بنت محفوظ المندرية شغلت الرأي العام السائد في ذلك الوقت فاعتبرها البعض مجازفة و تطاول .. على الخصوصيات.. ظهورها هز أركان المعتاد قد يبدو للبعض غياب وحدة الحاضر السائد في ذلك الوقت لكن أثناء سير الأمور واعتياد الحياة قد نجد دائما أن هناك خطا رابطا .. يفضي في النهاية إلى فرز العديد من الأسئلة و طرح الكثير من القضايا .. التي همت و تهم المجتمع العربي عامة...
فالحديث عن سنوات الجمر كحدث رئيسي .. تخللته .. شبكة من الأحداث الأخرى ذات صبغة محلية أو عربية.. كالحق و القانون و العدالة و الديمقراطية و حقوق الإنسان وحق المرأة في العيش.. تعرضت لها بشكل حياتي فكسرت المحظور واخترقت جدران العزلة عبرت بصوتها عالم المحضورات السائد سابقا فكان التحدي بين العمر الصغير والصوت الجهوري القوي وعالم يحظر فيه عمل المرأة واختلاطها بالرجال فانتصرت لقضية المرأة .
ولها عملت تعبت أقنعت من حولها حتى ولو كانوا يقاتلون سنينهم السبعين وفازت عليهم بالرأي السديد وقوة الحجة في زمن القحط والبحث عن الذات والتكوين رجع والدها إلى بلده عمان ليعمل مهندسا ودخلت هي الإذاعة لتكون الصوت النسائي الذي شغل الناس على اعتبار أن ذلك انه أصبح محرضا ودافعا لجيله أن يرسم ملامح حياته ويخترق العتمة التي فرضتها التقاليد ويصبح شعاعا ينير مجاهل التقاليد البالية التي ورثتها العادات المجتمعية والقبلية والالتزام والمحافظة .
هي صوت المرأة وصوت الفتاة للتعليم صوت جيل كان ليصبح مثل ما سبقوه من أجيال ولكنها كسرت قيود التخلف ورفرفت برسالتها أمام كل شرفة بيت وهتفت بصوتها في كل اذن كفاكم ولنبدأ من هنا.
إنها ضيفتنا المكرمة منى بنت محفوظ المندرية ـ إعلامية عمانية ـ عضو مجلس الدولة في سلطنة عمان ـ مستشارة وزير التربية للإعلام التربوي.
من أسرة عمانية هاجرت إلى البحرين، حيث ولدت هناك، وعادت إلى سلطنة عمان عام 1970 بعد تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد الحكم.
تقول منى المندرية :
عندما عدنا لعمان لم تكن هناك في مسقط سوى مدرسة واحدة للبنات، و عملت كممرضة أطفال ،رغم أنني أكره الحقن والدواء، لكن لم يكن أمامي خيار، إما ممرضة أو معلمة، ورغم أن لغتي العربية قوية إلا أنني اخترت عمل الممرضة، وتدربت أربعة أشهر على التمريض و لم تكن لدي رغبة في العمل.
والدي كان مهندس بترول، درس في بريطانيا، و كان لديه دافع وطني قوي قرر معه العودة للوطن لخدمة بلاده، و قد اهتم كثيرا بتعليمنا و نحن تسعة إخوة وأخوات، لكنه كان مصمما على تعليمنا جميعا حتى لو لم نعمل، وكان يقول لنا « أنا لن أترك لكم مالا ولا عقارا فقط أترك لكم العلم والشهادة أفضل من كل شيء «وسمع والدي أنهم يريدون أصواتا نسائية في الإذاعة، وصحبني إلى الإذاعة لدخول الاختبار، واختاروني لصوتي بدون أن يروا وجهي.
و لأن لغتي العربية كانت قوية اعتقدوا أنني كبيرة و أن عمري خمسة وعشرين سنة، لكنهم فوجئوا عندما رأوني بأنني طفلة صغيرة بجدائل شعر، فقرروا اختياري لتقديم برامج أخبار و تقديم الأغاني وبرامج أسرية، وساعدني على ذلك نبرة صوتي التي كانت أكبر من سني الصغير، وكانوا في الإذاعة العمانية يتعاملون معي على أنني أختهم الصغيرة.
تعلمت أثناء عملي في الإذاعة كل شيء، الإخراج والإعداد و تحرير الأخبار والتقديم، كل هذا وأنا ما زلت طالبة في المدرسة الإعدادية، كنت أذهب إلى البحرين لتقديم الامتحانات لعدم وجود مدرسة في عمان.
عام 1974 قرروا تأسيس تلفزيون في سلطنة عمان، ولم نكن نعرف عن هذا الجهاز الجديد أي شيء، وأرسلونا إلى دورة تعليمية في مصر للتدريب على التليفزيون، وعدت من الدورة لأعمل في جميع البرامج، لكنني وجدت نفسي أكثر في البرامج الاجتماعية والسياسية، ثم تخصصت في البرامج السياسية.
انتقلت للعمل بالتلفزيون لأقدم برنامجي الذي كنت أقدمه في الإذاعة تحت عنوان « الأسرة السعيدة»، لكن غيروا موضوعه في التليفزيون ولم يعد برنامجا توعويا كما كان في الإذاعة، وذلك لأن المشاكل والظروف في المجتمع تغيرت، وكان جلالة السلطان قابوس يحث الجميع على التعليم، وخاصة البنات، وأنا لم أقف عند حد معين في الدراسة، بل طورت نفسي وثقافتي، واهتممت بمعرفة المجتمع وماذا يريد، ولهذا نجحت في الوصول للناس وكسب محبتهم وثقتهم.
اختلاف الآراء
* عمل المرأة قضية قديمة و متجددة دائما حتى الآن في بلدان الخليج العربي، و حول هذه القضية في سلطنة عمان تقول الإعلامية منى المندرية :
السؤال حول كيف تعمل المرأة والرجل سوية لا يوجد عندنا في سلطنة عمان، والسبب وراء ذلك أن الرجل العماني كان يسافر لسنوات أربع أو خمس، وكانت المرأة هي التي تتولى كل شيء في البيت وفي الزراعة.
و عليها استقبال الضيوف وتربية الأولاد و توجيههم، و لم نشعر أبدا بفارق بين المرأة والرجل في سنوات السبعينات و بداية الثمانينات، لقد ظهرت الفوارق بالفعل بعد ذلك في سنوات، و لم أعان من هذه المشكلة في عملي في التلفزيون لأنني كنت صغيرة و كانوا يعاملونني كأختهم الصغيرة كما أسلفت .
تغيير العادات
الإعلام كان سببا رئيسيا في التغيير في المجتمع العماني وانتقاله إلى ما هو عليه الآن، لا شك أن الإعلام شيء هام للغاية وخاصة جهاز التلفزيون الذي يلعب دورا كبيرا في حياة المجتمع، وأذكر أثناء عملي في الإذاعة أن جاء رجل كبير في السن إلى الإذاعة وهو غاضب جدا و يحمل خنجره العماني و يسأل عني أنا بالتحديد، وكان سبب غضبه هو دعوتنا لتعليم البنات.
وقابله مدير الإذاعة وجلس يتحدث معه، ودخلت عليهم المكتب، فقال له المدير «هل ترى هذه الفتاة، إنها تعمل و تدرس و تخدم أسرتها و مجتمعها»، رد الرجل قائلا « نحن لا نريد أن نعلم بناتنا، ماذا سيستفدن من التعليم؟»، جلسنا أنا والمدير نتحدث معه ساعة ونصف، وفي النهاية اقتنع بكلامنا و شكرنا وانصرف.
و دارت الأيام وجاءت إلينا في الإذاعة فتاة لتعمل معنا، و فوجئت بها تشكرني وتقول لي إنني صاحبة الفضل في تعليمها ومجيئها للعمل في الإذاعة، فسألتها كيف، وعرفت منها أنها ابنة الرجل الذي أتى إلينا من قبل غاضبا ورافضا تعليم البنت وخرج من عندنا مقتنعا بتعليم البنت وحتى بعملها في الإعلام.
دور الإعلام في المجتمع
الإعلام لا شك جهاز حساس جدا و له تأثير كبير على المجتمع، ولهذا لابد وأن يكون الإعلام واعيا بما يقدمه للناس، وكان هناك من قبل سيطرة من الدولة على أجهزة الإعلام في جميع الدول.
ولكن الإعلام الآن تغير تماما، ولم يعد من الممكن إخفاء أي شيء، وأصبحنا مكشوفين أمام العالم كله، و لم يعد الإعلام قادرا على ستر عيوب ومشاكل المجتمع و لم يعد للأسف دوره تربويا لكثرة المحطات وتنوع البرامج لذلك نرى البوصلة تنحرف عن توجيه أبناء المجتمع للطريق الصحيح، و لهذا يجب أن يعود دور الأسرة ليبرز من جديد و يمارس مهامه في توجيه الأبناء.
الإعلام السيئ وعمل المرأة
سنوات الثمانينات كانت فترة مزدهرة في كافة المجالات في سلطنة عمان وكنا في التلفزيون ثماني مذيعات نعمل بجانب الرجال دون الشعور بأي فارق بيننا وبينهم، ولكن الغريب في الأمر أن معارضة عمل المرأة في الإعلام ظهرت عندنا بعد ذلك في حين لم يكن لها وجود من قبل، وأعتقد أن السبب وراء ذلك يرجع إلى أن بعض الإعلاميين أساءوا لمهنة الإعلام ولسمعة الإعلاميين فتغيرت نظرة المجتمع للإعلاميات.
الحكومة واهتمامها بتعليم المرأة
جلالة السلطان قابوس برؤيته البعيدة الثاقبة كان يعلم جيدا أن المجتمع لا يمكن أن يقف على قدم واحدة، ولهذا وجه منذ البداية بتعليم المرأة، وأمر بوضع خطة لهذا الهدف، و كان جلالته يشدد في خطاباته على ضرورة تعليم المرأة و حصولها على أعلى الشهادات و التخصصات اللازمة لتعمل جنبا إلى جنب مع الرجل، ولهذا نجد أن قوانين السلطنة جميعها لا تفرق بين الرجل والمرأة.
وعندما وصلت المرأة العمانية إلى عضوية مجلس الشورى لم يكن الأمر غريبا على المجتمع الذي تقبله بسهولة وترحيب، و تطورت الأحوال الاقتصادية في عمان لتفرض ضرورة عمل المرأة بجانب الرجل، قليل من الناس الآن من يرفض عمل المرأة، والبعض يقبله بتحفظات بأن تعمل في مجالات محددة مثل التعليم و التمريض.
وعندنا في مناطق نائية وبعيدة عن المدن البنات تركب القوارب صباح كل يوم ليذهبن للمدارس، لأنهن يعانين المشقة من أجل التعليم، والقدوة النسائية في المجتمع تلعب دورا هاما، أنا مثلا كعضو مجلس دولة وكوكيلة وزارة يشاهدون الناس كيف يعاملونني باحترام في كل مكان، وهذا يجذب الفتيات و يزيد طموحهن للعلم والعمل.
العربية
على ان أهم ما في محاولة منى بنت محفوظ الجريئة يتمثل في قدرة المرأة العربية على استعادة الزمام من يد الرجل وفي كسر الغلبة الذكورية التي كانت تربط دائماً بين العادات وبين الفحولة
كسر المحظور
استطيع أن أقول إن المحظور الاجتماعي يكمن في السياج الذي يغلف بعض القضايا والموضوعات ذات الحساسية الاجتماعية التقليدية مثل العنصرية، أو القبلية أو غيرها من الموضوعات المهمة. إن المحظور الاجتماعي سلطة تحد من التحرر المدروس
والمتسق مع طبيعة المجتمع.
أعدها للنشر مغازي البدراوي
