يخرج الزائر من «معرض 28» الذي احتل جناحا كبيرا من متحف الشارقة للفنون، والذي جمع تجارب 28 فناناً من المخضرمين والشباب، بانطباع رزين وإيجابي وبتفاؤل كبير لغنى التجارب الفنية المعروضة، التي تعكس نضج تجربة العديد منهم، وتنوع الأساليب سواء على صعيد الأفكار المطروحة أو مهاراتهم في الأسلوب والتقنيات المستخدمة.
تسلط جمعية الإمارات للفنون التشكيلية الضوء في الدورة 28 من معرضها السنوي، على تجارب أعضائها الفنانين المحليين والمقيمين في الإمارات، حيث يفتح هذا المعرض الذي ضم 300، نافذة على الحركة الفنية المحلية المعاصرة ومستواها المتقدم على كافة أصعدة الفن، من الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي إلى الفنون البصرية الحديثة العهد مثل أفلام الفيديو والفن التركيبي وغيرها.
مشاركات المخضرمين
اللافت للنظر في المعرض تجاوز معظم الفنانين المخضرمين لمراحل محاكاة المدارس الفنية في الغرب، وعودتهم إلى الفنان في داخلهم، ليقدموا نتاج تجربتهم بأسلوبهم الخاص المستوحى من عوالمهم الداخلية، وما يحيط بهم من قضايا إنسانية، تحمل جماليات الفن من بيئة مرتبطة بهم وبالعالم الذي ينتمون إليه.
من الفنانين الذين تجلى في أعمالهم هذا النضج الفني، عمل الإماراتي حسين الشريف الذي استطاع من خلال الفن التركيبي في هذا المعرض، تقديم أعمال يتواصل معها المشاهد سواء على صعيد المضمون أو جماليات الفن ومثالا عليها؛ عمله المستوحى من إعادة تدوير البيئة الذي يعيد الزائر إلى عالم الطفولة والابتكار والدهشة.
فمن خلال العلب المعدنية الحافظة للأطعمة (الكونسروة) وأغطية الزجاجات البلاستيكية بأحجام وألوان مختلفة، قدم مجموعة من السيارات بأشكال وألوان مختلفة أقرب إلى جماليات اللوحة والتي تشيع الفرح في نفس المشاهد، وتدفعه إلى إعادة النظر في علاقته مع البيئة وأطفاله، وما يمكن أن يقدموه معا على صعيد البيئة ومتعة التسلية والابتكار.
أمام لوحتين ضخمتين للإماراتية الدكتورة نجاة المكي، يدرك من يرصد نتاجها الفني تتطور تجربتها الفنية وتجددها الدائم في علاقتها مع اللوحة والمضمون، ليشعر مع كل نتاج جديد لها بألفة وتواصل أكبر مع لوحاتها التي تشكل جزءاً من محيطه. وعلى طول نسيج قماش الخيم (الشادر)، استوحت من حياة البيئة البدوية الغموض الذي يكتنف الصحراء، حيث ربطت في تكوينها بين الحركة الهادئة عبر الزخرفة وطبيعة البيئة، وديناميكية تلك الحركة عبر مساحات الألوان الزاهية والداكنة.
كما عكست لوحات الإماراتي عبدالرحيم سالم تطور تجربته في علاقته مع اللوحة واللونين الأبيض والأسود، حيث انتقل من قتامة السواد المهيمن على أعماله في معرضه السابق إلى علاقة جديدة بين فراغ اللوحة وعلاقتها بهذين اللونين، لخلق فضاءات جديدة متناغمة وحيوية تحاكي الإنسان عبر فن الكولاج.
ولا يسع المرء أمام أعمال السوداني عبدالقادر المبارك، إلا التوقف زمنا طويلا حيث زخرت لوحاته بغنى ألوان الطبيعية وجمالها عبر ألوانه المائية البديعة، التي تمنح الزائر شعورا قريبا من الإشباع البصري والروحي.
يحسب أيضا للفنان الفلسطيني أحمد حيلوز أعماله الجديدة في التشكيل، حيث عكست لوحته «موضوع» جزءاً من تجربته في النحت، حيث تمنح خامة تكوينه الأقرب إلى الحجر قراءات متعددة، ما بين البوابة والضريح، عبر ألوان محايدة توحي بتقادم الزمن والسكون.
كما تميزت أعمال اللبنانية ماجدة نصر الدين التي تناولت موضوع فلسطين والوطن، فمن خلال لوحة قماشية على طول الجدار، صورت أطفال فلسطين الذين سلبوا طفولتهم أمام ما يواجهونه من أهوال، ومن خلال مجموعة من اللوحات الصغيرة الأقرب إلى حجم بطاقات بريدية، ترجمت الإحساس العميق بالوطن والحنين إليه، بأسلوب تجريدي عبر ألوان ترابية.
واللافت في لوحاتها الثماني الصغيرة خصوصية وجمالية الأسلوب، حيث استخدمت عدة تقنيات في التعامل مع الألوان، مما أضاف بعدا وغموضا للأعمال. كما ضم المعرض عددا كبيرا من الأعمال المتميزة التي لا يمكن المرور عليها جميعا بالتفصيل من ضمنها جدارية «الحصار» للفنان السوري باسم الساير، وعوالم المرأة في أعمال اسماعيل الرفاي.
مشاركات الشباب
أما الفنانين الشباب فتميزت أعمالهم بعمق الطرح والجرأة في التجريب. والكثير من الأعمال المعروضة، تستوقف المشاهد بجمالياتها وأبعادها الفنية التي تخدم فكرة العمل بعيدا عن الاستعراض. وقد استخدم العديد منهم تقنيات تثير الإعجاب والدهشة، فمن المواد التي ألفتها العين، ابتكروا أعمالا لها قيمتها الفنية. كما تعكس أعمالهم انفتاح الأجيال الجديدة على العالم وتواصل الحضارات، مع قدرتهم على الجمع بين خصوصية واقعهم والعالم الخارجي.
من التجارب المتميزة في هذا الإطار، أعمال الإماراتي ناصر نصرالله، الذي تتجلى موهبته الواعدة سواء على صعيد فن الرسوم المتحركة من خلال فيلمه واسكتشات الفيلم التي نفذها بفن الكولاج، أو في فن التشكيل عبر لوحاته بالأكريليك وفي مقدمتها لوحة «السوق». وكذلك تجربة الإماراتي خالد البنا، الذي شارك بعدد من اللوحات التي استخدم في تنفيذها الأقمشة المحلية الزاهية الألوان، والتي قدم من خلالها تشكيلات مدروسة تحمل العديد من الجماليات البصرية.
وحملت لوحات الإيطالي باولو ماريا خصوصية تجربته الفنية في اللوحة، التي جمع فيها عدة تقنيات من عناصر الحياة اليومية التي تأخذ المشاهد إلى عالم ذكريات الماضي، عبر ألوانه المعتقة التي تحمل الزمن الغابر المهجور.
الشارقة - رشا المالح
