كان من المفترض أن يمثل تدشين كتل الأبراج السكنية المتلاصقة بداية عهد جديد بالنسبة لحي هولي ستريت استيت بشمال لندن في 1975، فلقد حلت هذه المجمعات مكان شبكة الأبنية البالية المزرية التي كانت تشوه منظر الشوارع الفكتورية.
لكن هذا التنبؤ كان أبعد ما يكون عن حقيقة ما حدث لاحقاً على أرض الواقع. فأولئك الذين عاشوا هناك في أوائل الثمانينات من القرن المنصرم كانوا يسمون ذلك الحي «المتاهة المظلمة» أو «فخ الموت».
ويتذكر أحد السكان السابقين بمرارة ما حدث لأبيه ذات يوم عندما تعرض لهجوم من أشخاص مجهولين وهو داخل سيارته، وعندما رأى المهاجمون خاتماً في إصبعه، هددوه باختيار: «إما الخاتم أو إصبعك».
وكانت مثل تلك القصص شائعة في تلك الأيام، حيث كان المكان يعج بالجريمة ويعاني من معدلات البطالة أعلى بـ 50 بالمئة من المناطق المجاورة، نظراً لإحجام الكثير من أرباب العمل عن تشغيل الأشخاص الذي يعيشون في هذا الحي بسبب سمعته السيئة. ونتيجة لذلك، تقدم حوالي 80 بالمئة من السكان بطلبات للانتقال من هذا المجمع السكني الجديد.
وهكذا اضطر المخططون المدنيون لإعادة النظر في أساليبهم. وفي حين كانت أصابع اللوم في الماضي تتجه دائماً إلى الشرطة أو الحكومة أو أجهزة الخدمات الحكومية، بدأ علماء الاجتماع يتنبهون إلى حقيقة أن المخططين المدنيين والمهندسين المعماريين يجب أن يتحملوا أيضاً جزءاً من اللوم.
ويقول البروفيسور كريستوفر سبنسر، أستاذ علم النفس في جامعة شيفيلد البريطانية، وعضو مجلس تحرير مجلة «علم النفس البيئي» إن «المصممين المعماريين يجب أن يتعرضوا للمساءلة إذا فشل المبنى الذي صمموه بسبب جهلهم بمبادئ علم النفس البيئي، تماماً كما يتعرض المهندسون للملاحقة الجنائية إذا قاموا ببناء برج انهار لاحقاً بسبب إهمالهم في حساب قوة تحمل أسسه الفولاذية».
ولا يزال مجال علم النفس البيئي محدود الانتشار، لكن تأثيره آخذ بالازدياد نظراً لدوره المهم في فك ألغاز طرق تأثرنا بمحيطنا. وبفضل هذا العلم، بدأ الباحثون في فهم أسرار التفاعل الاجتماعي النفسي بين المباني والمواقع والتكنولوجيا في أحياء المدن الكبيرة.
وبطبيعة الحال، فإن لنتائجهم في هذا السياق انعكاسات على مختلف مظاهر بيئة البناء تقريباً، من لون جدران المستشفيات إلى نوع العشب المستخدم في الحدائق العامة، وقد يكون لها تأثيرات كبيرة على قضايا اجتماعية حساسة، مثل الجريمة، الصحة، التعليم، التجارة، والسعادة.
ويقول خبراء علم النفس البيئي انه ليس من الغريب أن كثيراً من المشاريع العقارية الكبيرة، التي تسعى إلى بناء تجمعات سكانية كبيرة بين ليلة وضحاها، ودون دراسة وافية، يؤدي في نهاية المطاف إلى كارثة اجتماعية.
وقد خلص تقرير أعدته لجنة استشارية حكومية في بريطانيا تحت عنوان «تكاليف تصاميم البناء الرديئة» إلى أن ما يتم توفيره في مواقع البناء على المدى القريب سوف ينفق لاحقاً على نفقات الرعاية الصحية والحماية الأمنية وإعادة التطوير. ولا شك أن مثل هذه النتائج المتبصرة كانت مفيدة في عملية إعادة تصميم حي هولي ستريت.
ففي عام 1985 قررت الجهات المختصة انه لا مجال لإصلاح الحي، وان هدمه بالكامل هو الحل الوحيد. وهكذا تم إعادة بنائه بالكامل وفق تصميم مختلف كلياً يقوم على نسق تصميم الشارع التقليدي، والنتيجة أن نسبة السكان الذين يعتبرون هولي ستريت خطراً انخفضت فوراً من 60 بالمئة إلى 5 بالمئة فقط، ونسبة السكان الذي شاهدوا جريمة في الشارع انخفضت من 40 بالمئة إلى 1 بالمئة فقط.
ويؤكد المختصون في هذا المجال أيضاً أهمية التصاميم الداخلي للمكاتب والمساكن على نفسية من يعمل أو يسكن فيها، مشيرين إلى الدور الكبير الذي يلعبه اختيار اللون والإضاءة والمساحة في هذا السياق. كما أظهرت الأبحاث أيضاً أن توفير الحدائق العامة في مراكز المدن يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة بنسبة 52 بالمئة بالمقارنة مع الأحياء التي لا توجد فيها حدائق.
ويقول الباحثون ان المساحات الخضراء، فضلاً عن دورها في تحسين المزاح العام للسكان، فهي أيضاً تجتذبهم لقضاء بعض الوقت خارج المنزل والتفاعل مع الجيران في الأماكن العامة مما يقوي الاجتماعية فيما بينهم.
وإذا استمر الساسة والمعماريون والمخططون المدنيون وعامة الناس في الانفتاح على إدراك حقيقة ان علم النفس لا يقل أهمية عن الهندسة في التخطيط للبيئات المدنية، فربما نكون على عتبة ثورة جديدة في البناء تأخذ بالاعتبار كل النتائج الجديدة التي تشير إلى أن محيطنا يؤثر فينا بطرق تفوق كل تصوراتنا السابقة.
علي محمد
