شعوب عديدة تنتمي لمساحات شاسعة من جغرافية كوكب الأرض، شعوب هي في الغالب استوطنت القسم الشمالي منه، تنعم بجنان نضرة وحدائق غناء، خصها الله بها عن سواهم كنعم لا تحصى من إبداع في الطبيعة الغنية بالعطاء والاكتفاء، وخيرات وفيرة في باطن الأرض وعلى ظاهرها، من أشجار وأنهار وموارد مختلفة.
كما منحها سواحل عملاقة وفصولا طويلة ممتلئة بالسحب الممطرة. هم أناس استكانوا لطبيعة جو معتم، وطقس يستمر شهورا تطول وهي غارقة في الغمام، إذ تحتجب أشعة الشمس وتشح في إطلالتها الحيوية، تدفع النفوس إلى الانكفاء بعيدا عن البهجة، قريبة من الخمول والضجر. هي الشمس حين تبخل بضوئها.. تسحب بركتها من الأرواح قاطبة، فتستبد البلادة بالكون. انه الضوء وانه مورد الوجود، هو مكمن القوة ومبعث الحياة.. مغذي النماء ومانح العافية.
كم هي محظوظة تلك المجتمعات بجنانها وأنهارها وكم هم محظوظون أولئك الذين يشدون إليها الرحال في جماعات مرتحلة عن القيظ في هجرة بدت من الجنوب للشمال، جماعات ظنت أنها فقيرة بالشمس فسعت إلى جنان الشمال.
لكنها الشمس.. ولولاها ما استوت الثمار ولما تطهرت الرمال ولما أينعت الجنان ولما سمقت الأشجار لتعمر الغابات. هي الشمس تُشد إلى ضيائها الرحال، إلى شواطئ الشرق المشمسة المفعمة بالنهار المتجلي في سطوع الضوء المندلق من السماء كما يدلق الدلو العظيم مياهه دفعة واحدة. تتعدد الجنان وتتسع لكن الشمس فهي واحدة وحيدة في سمائنا، تغدق على الكوكب شعاعها من كل صوب وحدب، وهي هنا تسكب في البحر ومن السماء أشعة من ذهب مسال.
فاطمة الهديدي
