تعد الشعاب المرجانية أغنى بقاع العالم بالألوان، حيث تجمع بين أكثر الألوان رقة وسموا وأشدها صخبا وبهرجة، ومنذ زمن ليس بالقليل يعرف الباحثون أن اللون في هذا العالم السحري يلعب دورا مدهشا، يبدأ بالتحذير من المخاطر، ثم لا ينتهي عند الجاذبية التي تكفل الحفاظ على النوع.

ولكن، مؤخرا، شرعوا يدركون كيف تبدو الأطوال الموجية المختلفة للضوء، وبالتالي الألوان في الأعماق المختلفة تحت الماء، وكيف تستوعب عيون الكائنات البحرية المختلفة هذا الضوء بشكل مغاير للطريقة التي يراها بها البشر.

وفي مغامرة مدهشة أجريت أخيراً شكل ليس كاوفمان من الجمعية الجغرافية الأميركية فريقا علميا في مهمة استكشافية تحت البحر قبالة جزر فيجي وإندونيسي، ولاحظ الفريق أنه في الشعاب المرجانية الصافية التي ينيرها ضوء الشمس يطغى البصر على بقية الحواس، وتكتسي الكائنات البحرية بألوان متوهجة، ليس فقط لتخويف الأعداء واجتذاب الجنس الآخر، وإنما لأغراض عديدة أخرى من بينها الإعلان عن خدماتها، وتفادي الكائنات المفترسة، واقتناص الفرائس، والاختفاء في المشاهد المكشوفة.

وهبط كاوفمان مع المصور العالمي الشهير تيم لامان إلى عمق 80 قدما، لدراسة الشعاب المرجانية السليمة قبالة جزر فيجي، حيث أنار لامان المصابيح القوية ليكشف النقاب عن درجات اللون الأحمر الساطعة على الأغصان المرجانية الممتدة، ولكن عند إطفاء النور الاصطناعي شاهد الفريق الحيد المرجاني من منظور أقرب إلى منظور الكائنات البحرية، حيث بدا المشهد يفيض بالأصفر والبرتقالي والبنفسجي والأخضر على حين يغيب اللون الأحمر الذي لم يعد مرئيا، نظرا لامتصاص أطواله الموجية من قبل جزيئات الماء والفلزات الصخرية، الأمر الذي يعني أن الأصباغ الحمراء على أجسام الكائنات البحرية لا تختلف عن الأصباغ الرمادية أو السوداء في الأعماق.

هنا يبرز سؤال محير: لماذا إذن تكتسي الكائنات البحرية في الأعماق باللون الأحمر المتوهج على هذه الشاكلة؟ هذا ما لا يعرفه علماء البحار والمحيطات حتى الآن، لكنهم على الأقل شرعوا يتفهمون بصورة أفضل أسرار درجات الأزرق والأصفر، التي تهيمن على أسماك الحيود البحرية وتجعلها هدفا ثمينا لهواة جمع أسماك الزينة.

ومن ناحية أخرى، يقوم جاستن مارشال وزملاؤه من الباحثين بجامعة كوينزلاند الأسترالية بدراسة عيون الأسماك باستخدام تقنية السبكتروميتر المجهري، وهو أداة لقياس شدة الضوء النسبية بين مختلف أجزاء الطيف، حيث قاموا بتحليل الأصباغ البصرية وحساسية الضوء في عيون أنواع مختلفة من أسماك الحيود البحرية، لمعرفة طبيعة الأشياء التي تبصرها وكيف تبصرها، وقاموا أيضا بقياس الأطوال الموجية للضوء المنعكس من المعالم البارزة في الحيود المرجانية لحساب متوسط لون الحيد، وتبين لهم أنه في الضوء الطبيعي تمتزج مختلف درجات الأصفر والأزرق التي يتزين بها العديد من أنواع الأسماك، موفرة بذلك وسيلة جيدة للتمويه والاختفاء عن عيون الكائنات التي تسعى لافتراسها.

وبينما تعد الألوان وسيلة فعالة للتخفي والتنكر، بالنسبة للعديد من الكائنات البحرية، فإنها أيضا تتحدث لغة الحب بالنسبة للكثير من الكائنات في الحيود البحرية، وتستطيع أنواع من الأسماك جعل ألوانها تومض في عروض متألقة لاجتذاب الأزواج، حيث يقوم ذكر سمك اللبروس، على سبيل المثال، باستعراض يشبه العروض الليزرية، لاستقطاب الإناث من نوعه، ولكن حالما تنتهي عملية التزاوج تخبو الألوان المتألق التي استعان بها.