شهدت المؤسسات في مدن الساحل الشرقي في الفترة الأخيرة توسعا كبيرا في تنظيم وتنفيذ العديد من الدورات المتنوعة في أكثر من مجال، سواء عن طريق جهات العمل أو مراكز ومعاهد تدريبية خاصة. بهدف إكساب المتدربين الخبرات والمهارات الكافية في مواقع عملهم أو في حياتهم الخاصة، ويتنوع المشتركون ضمن هذه الدورات سواء من ناحية الأعمار أو الأفكار أو الأهداف.

فقد أعلنت عدة وزارات وجهات محلية وخاصة في الفترة الماضية، تبني رؤية تهدف إلى إعداد منهجية شاملة، تستند إلى ضرورة حصول جميع العاملين لديها على معايير مهنية وطنية لضمان جودة أدائهم، ورفع الكفاءة المهنية للجميع من موظفين وقيادات إدارية، وذلك عن طريق تكثيف الدورات والورش المتعلقة بحصول موظفيها على تلك الشهادات الخاصة بالتطوير المهني. واستقطاب أشهر المدربين والمحاضرين في كل شهر بهدف إعدادهم بشكل علمي صحيح. بحيث تمنح لهم شهادات اعتماد حضور لدورات معينة وتدريبية ليوم أو يومين أو 3 أيام، وبواقع ساعات قليلة، فيما هناك ما يتراوح إلى 7 إلى 15 يوما وأكثر، وترخص لهم من قبل مؤسسات معتمدة ومعروفة محليا أو عربيا أو حتى عالميا تدعم من جودة تلك الدورات المطروحة.

وأكد البعض بأن الكثير من هذه الدورات تحقق أهدافها بامتياز وجودة عالية، فيما أشار البعض الآخر إلى وجود دورات تدريبية لا تكون بتلك الجودة لكونها مكررة ولا جديد فيها، بل إنها مستهلكة للوقت والجهد، على اعتبار أنها تقام في فترة وجيزة لا تتجاوز 3 أيام في الأغلب، ويحاضر فيها مدربون ليست لديهم القدرة الكافية لإيصال المعلومة، وغيرها من الأمور الأخرى. مؤكدين أن نتائج سلبية ظهرت في سياق ذلك تتمثل في احتيال عدد من الموظفين بحضور تلك الدورات وورش العمل دون أن تكون لديهم الحاجة للتطوير أو الاستفادة، إنما لرغبتهم في جمع أكبر عدد من الشهادات، والتسيب والضغط النفسي.

وهناك دورات تطرح بشكل مجاني من قبل جهات العمل، وقد تنتشر في الجهات المحلية والحكومية وفي الجامعات والمدارس. فيما بعضها الآخر تطلب رسوما رمزية أو مبالغ كبيرة تصل إلى 7000 درهم تنظمها جهات عمل أو مراكز ومعاهد تدريبية لمدة وجيزة، يتحصل من خلالها الشخص على دبلوم معتمد أو شهادة إثبات حضور ومشاركة.

جدوى الدورات

من وجهة نظرها تحدثت نورة أحمد - موظفة حكومية - عن توجه العديد من الأفراد وليس المؤسسات فقط في الآونة الأخيرة إلى تنظيم تلك الدورات التدريبية والتطويرية، والتي تهدف في الدرجة الأولى الحصول على الشهادات التعزيزية للمحاضرات والدوارات المختلفة، دون توضيح أهميتها الفعلية من الحضور والمشاركة، حتى بات المستهدفون من تلك الدورات يحملون كما هائلا من شهادات الاجتياز والمشاركة دون جدية الاستفادة للارتقاء الوظيفي.

متسائلة عن جدوى تلك الدورات وورش العمل في تحقيق فرص التطوير المهني وأهميتها للموظف. مؤكدة عن مساهمة تلك الدورات الورش في القليل منها وليس جميعها عن تمكين وإفادة المعنيين من الوصول إليها، وتحفيز الموظفين الجدد على الاستفادة منها. إلا أنها أسفرت عن نتائج عكسية منها التسيب والضغط النفسي والعملي على موظفين آخرين.

التحايل والاستغلال

ومن جانبها أوضحت خولة عبدالله معلمة أنه بناء على توجيهات وزارة التربية والتعليم للارتقاء الوظيفي للمعلم، وضعت سياسية تعزيزية من خلال الجوائز التي رصدتها عدة مؤسسات تعليمية على مستوى الدولة، لافته إلى أن ورش العمل وحضور المحاضرات والندوات التربوية، تأتي من ضمن تلك الأنشطة والأعمال التي من خلالها ألايستطيع المعلم ألاأن يطور من مهاراته المهنية والثقافية، ويحفزه على جدية العطاء ونضوج الأفكار التربوية، ما قد يسهم في إنجاح العملية التعليمية والتربوية.

مبينة أن الأمر في الوقت ذاته أدى إلى احتيال عدد من المعلمين في حضور الندوات والمؤتمرات العلمية والمحاضرات دون رغبة في التطوير أو الاستفادة، وإنما للحصول على شهادات تقديرية متعددة لملء حقيبة الأعمال السنوية بالكم الهائل من تلك الشهادات.

دورات عادية

وأكد حمد الحمادي - موظف حكومي - أن من الملفت الآن هو أن الدورات انتقلت من فكرة التخصص الوظيفي أو المهني إلى دورات تتعلق بتطوير الذات والجودة والتعامل مع الآخرين والتواصل معهم والقيادة. فلا تكاد تخلو مجلة أو جريدة وحتى الرسائل الالكترونية والهاتفية من إعلانات عن وجود دورات تدريبية مماثلة، وأصبح الكثيرون من الأشخاص يخوضون التجربة ويحصلون عليها بطرق متعددة.

لافتا إلى أن الكثير من تلك الدورات شهاداتها غير معتمدة لدى الجهات الحكومية فهي فقط لإثبات الحضور، وليس لها أي شأن في رفع الأداء الوظيفي أو ما شابه ذلك. مما يعني امتلاء الملف الوظيفي بالعديد من شهادات الدورات سواء ما كان معتمدا أو غير معتمد.

مبينا أن مثل هذه الدورات لا تحسن من الذات أو ترتقي بها إلى التطوير والاستفادة، خصوصا إذا كانت مدتها قصيرة جدا وبالأخص التي تكون ليوم أو يومين، مما يستحيل على الشخص مهما كانت وظيفته أو خبرته الاستفادة من تلك الدورات، كون الفائدة مؤقتة وبصفة خاصة إذا كانت تخصصية أو ذات مجال هام.

ما يعني أن الشهادة الممنوحة لا تشكل أية أهمية، بل على العكس فإن تلك الدورات التي تستمر لأشهر تكون مفيدة، ويستطيع الشخص الحصول على مبتغاه من المعلومات الخاصة بالتطوير الوظيفي، وتلك الدورات تنظمها في الأغلب أماكن العمل.

غياب التخصصية

وفي نفس السياق قالت نجوى مبارك - موظفة في القطاع الخاص - إن الدورات التدريبية مهمة وخاصة إذا كانت تنظم من قبل جهة العمل، وفي ساعات معينة تمتد لفترات طويلة وليس ليوم أو يومين. إلا أنها أشارت الى أن هاجس ثقافة إقامة دورات تدريبية متخصصة لا يزال غير متوفر، وهو ما شجع على توفير أهداف خاصة لدى البعض تتعلق بتضييع الوقت والترفيه لدى الموظف في أكثر الأوقات.

ومن جهة أخرى أكدت بأنه من الواجب على المؤسسات التدريبية سواء من جهة العمل أو جهات أخرى، إعطاء شهادات موثقة ذات قيمة وأهمية لكي يشعر كل متدرب بقيمة الدورة التي حضرها، ولا تعطى تلك الشهادات لفترة وجيزة كيوم أو يومين، وإيضاح مدى اعتماد الشهادة في المؤسسات ورسومها وأهميتها للوظيفة أو أي مجال كان.

جمع الشهادات

وذكرت أم سالم - موظفة حكومية - أنها تسعى جاهدة لحضور مثل هذه الدورات، فهدفها تجميع أكبر عدد من الشهادات، وإن لم تستفد كلياً منها، ليس من باب الحاجة لها، بل لتغيير الجو والخروج من جو الروتين وضغط العمل. مشيرة إلى اختيارها الدورات التي يكون فيها أسلوب المدرب متقنا ويطبق محاضراته عمليا سواء كان معروفا أو غير ذلك ما يضيع من الوقت.

ويضيف بالوقت ذاته جانبا من المتعة والفائدة. أما إذا كان عكس ذلك فتفضل أن تنسحب أو تحضر بداية الدورة ومن ثم تذهب على اعتبار تسجيل اسمها في قائمة الحضور والمشاركة ما يتيح لها في نهاية الأمر الحصول على شهادة تلك الدورة.

وفي سياق آخر أكدت مريم سعيد النقبي - موظفة بأحد القطاعات الحكومية - أهمية تلك الدورات في التطوير الوظيفي وخصوصا تلك التي تطرح في مواقع العمل، وتكون في أغلبها مفيدة للتخصص الوظيفي وللوظيفة نفسها. غير أن وقتها يكون في أغلب الأحيان غير مناسب، لأنها تكون في وقت العمل لمدة يومين أو ثلاثة أو أسبوع.

وتكون العملية مقلقة بالنسبة لها، لأنها تأخذ حيزا كبيرا من تفكيرها بالعمل وما يحدث به، وأثر ذلك على نفسيات الموظفين الآخرين في زيادة الضغط عليهم وما إلى ذلك. وفي سياق متصل تطالب بأن يتم توفير تلك الدورات في الفترة المسائية والتي على حد علمها قد تعاني من قلة الحضور إلا أنها تكون مفيدة من جوانب مختلفة.

ناهد مبارك