غسان خروب

ما ان تقارب الساعة على الانتصاف ليلاً حتى يحمل محمد دلوه المملوء بالماء ليدور بين السيارات المتوقفة في الساحة الترابية القريبة من إحدى البنايات في شارع التعاون بالشارقة، ورغم العتمة لا تكاد عيناه تخطئ السيارات التي ضمن حصته فهو يحفظها عن ظهر قلب، فهذا جزء من عمله اليومي، وبحسب ما قال لنا انه لم يكن ليعرف على هذه المهنة لولا إحدى نواطير البنايات.

البداية كانت عندما دخل محمد إلى إحدى البنايات الموجودة في الشارع باحثا عن عمل له، حينها لم يجد أحداً سوى الناطور فسأله إن كان هناك فرصة للعمل في ذات الشركة التي يعمل فيها هو، ولم يكن في وضع يسمح له بتحديد المهنة إنما أي شيء يعينه على الحياة، فهو بحاجة للوظيفة ولدخلها مهما قَل، لم يكن أمام الناطور إلا أن قال له، لا يوجد فرصة للعمل في شركته، فالعالم كلة يقع في أزمة مالية، والشركات تسرح موظفيها مهما كبرت شهادته الجامعية ومنصبة، فلا أحد يضمن عمله هذه الأيام، حاول محمد استرقاق قلب الناطور بشرح ظروفه العائلية في بلدة، وان حالها سيزداد سوءا إن لم يرسل إليهم ببعض النقود.

كان محمد يدرك تماما أن الناطور لن يفعل له شيئا، ولكن وجد في الحديث معه فضفضة قلب، وقبل أن يخرج سأله الناطور إذا كان لديه استعداد للعمل في غسيل السيارات مقابل أن يدفع له نصف المبلغ الذي يجمعه من وراء ذلك، لم يكن أمام محمد غير خيار القبول، فدرهم في يده خير من لا شيء، وأكد له الناطور انه على استعداد أن يؤمن له السيارات فمعظم من يقيمون في ذات البناية على الأقل لديهم واحدة، ووافق محمد على ذلك.

منذ تلك اللحظة بدأ محمد يعمل جاهدا، ولم يكن يرفض أية سيارة فكلما زاد عددها زاد دخله، وبدأ بمد علاقاته لتشمل المقيمين في البنايات الأخرى المحيطة، وحتى لا يخسر الكثير من الوقت استأجر غرفة له في إحدى البنايات القريبة، وتمكن من إيجاد من يساعده في غسل السيارات ليلا. لم يتوقف محمد عند غسل السيارات ليلا، فقد تعرف على شخص يعمل في جمع الأوراق وعلب الكرتون الفارغة، واتفق معه على أن يعمل في ذات المهنة مقابل بعض النقود، وبالفعل اشترى دراجة هوائية وأخذ يدور بين الأحياء ليجمع علب الكرتون، ومن ثم بيعها إلى شريكة الذي يقوم بدورة بإيصالها إلى إحدى شركات إعادة تصنيع الورق، وكان ذلك كفيلا برفع دخله الشهري، الأمر الذي مكنه من تحسين أوضاع عائلته في بلده. ها هو محمد يجلس على سجادة الصلاة ويرفع يديه إلى الله يدعو بقلب مخلص إلى ذلك الناطور الذي فتح أمامه أبواب الخير، ليخلصه من همه، ويمكنه من مساعدة عائلته.