لم يحظ الشعر وروايته ورواته وشعرائه كجزء من التاريخ الشفوي في دولة الإمارات، سواء النبطي منه أو الفصيح، باهتمام متزايد مثلما هو حاصل اليوم، فالعديد من الهيئات المعنية بالثقافة والتراث تعلن من حين لآخر عن مبادرات ومسابقات وبرامج تلفزيونية وإذاعية، وإصدارات منصبة على الشعر برئتيه إن صح القول الفصيح منه والنبطي.
وهذا أمر صحي، ومفيد معرفياً، لأن هذه المؤسسات على اختلاف إمكانياتها تسعى من دون شك إلى المساهمة، كُلٌّ على قدر اجتهاده، في عملية جمع وتوثيق وأرشفة وتجهيز نصوص شعرية وإصدارها كدواوين، أو تهيئتها للباحثين والدارسين من جهة، أو تقديم دراسات عنها صدرت في كتب، كما تتيحها للمهتمين والمتذوقين، حتى بات برنامجا تلفزيونيا مثل برنامج «شاعر المليون» قيض له أن يغيَّرَ خارطة الشعر الشعبي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، نظرا لجماهيريته الملفتة، حيث يتابعه عبر شاشات التلفزيون ملايين المشاهدين، وباتت عملية استنساخه إن صح القول واضحة جلية من قبل العديد من المؤسسات والفضائيات.
وقد لعب هذا البرنامج دوراَ توثيقياَ مهماَ بالصوت والصورة لعشرات الشعراء، وحفظ شعرهم ووثقه وبأحدث التقنيات العصرية، فلعب دوراَ مزدوجا كملتقى جماهيري للشعر لا يقل دوره عن الدور التاريخي الرائد الذي لعبته الأسواق والمواسم الأدبية الشعرية الكبرى، كسوق عكاظ والمربد والتي حفظ لنا الرواة بعض ما كان يدور فيها من مساجلات بين الشعراء، ولا نستطيع أن نجزم بحفظها كل ما كان يدور، والتي وثّقت بتدوينها وتداولها في كتب ومصنفات فيما بعد في مرحلة تالية من قبل جُمّاع اللغة، إضافة لدوره الإعلامي حيث أصبح منبراَ مميزاَ ومطمحا لكل شاعر يريد البروز وإثبات قوة موهبته الشعرية.
إن هذا الاهتمام بالشعر وروايته ليس غريبا على دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة، فقد كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه لله، هو من أسس لهذا الاهتمام بالشعر وروايته، فقد كان هو نفسه شاعراً فذاً رسم بشعره صورة جلية لوجدانه، وعكس ما يعتمل في نفسه من آفاق إنسانية ومشاعر حب صادقة لأمته وشعبه وقيم الخير والمحبة للإنسانية جمعاء. وبفضل رعايته واهتمامه بالشعراء المعاصرين الأحياء .. فقد أصدر توجيهاته بإنشاء مجالس للشعراء ينضوون تحتها يتبادلون سماع أشعارهم، وتتناقلها أجهزة الإعلام وبخاصة التليفزيون ليستمع إلى أشعارهم كل الناس. كما تم تخصيص مكافآت شهرية للشعراء أعضاء هذه المجالس كنوع من التشجيع المعنوي والمادي لهم فكان أن أنشئت مجالس للشعر النبطي في أبوظبي والعين والبادية ودبي والإمارات الشمالية.
تأريخ
تبقى الرواية الشفوية بشكل خاص مرتبطة أكثر بالإمارات العربية المتحدة، وبتاريخها أيضا، نظرا لما تعانيه المنطقة من شح في المصادر التاريخية، ويبقى التاريخ الشفوي مصدرا من مصادر تاريخ أي امة وكما هو معروف لدى المتخصصين هناك سلسلة من الإجراءات للعمل على إخضاع هذا المصدر ليصبح حقيقيا وصالحا، وهو أكثر صعوبة من الوثيقة لأنها شيء مادي وتخضع لجميع التجارب الفنية.
ولكن يبقى هناك السؤال المحيّر وهو: متى سيكون لدينا مركز اتحادي للعناية بالتاريخ الشفوي لدولة الإمارات يحظى بالاستقلالية والميزانية اللائقة والباحثين الجادين؟، وما الذي تم جمعه في دولة الإمارات في مجال الرواية الشفوية؟، وما مقداره؟، وما هي الفائدة المرجوة من عشرات الأشرطة المسجلة والمكدسة في بعض المراكز والتي علاها غبار الإهمال والنسيان؟
فإذا كانت الوثائق المحلية لا تتجاوز العشرات البسيطة أو حتى المئات لو تفاءلنا أكثر، وهي مصورة في الغالب، لذلك والحال هذه لابد أن نكثف الجهود للاتجاه إلى عملية جمع الرواية الشفوية والى الاتجاه إلى تأصيل هذا العلم من خلال تجارب سابقة حتى تتم دراسة الإطار وليس المحتوى، ولابد أن يتم ذلك من خلال مشروع يهدف في مرحلته الأولى إلى إجراء مسح أولي للمصادر التاريخية الوطنية داخل الدولة من الوثائق والمخطوطات والروايات.
والقيام برحلات ميدانية وتشكيل فرق عمل من الباحثين لإجراء التوثيق الأول للمصادر التاريخية، وتسجيل الروايات الشفوية للمعمرين والمعاصرين وجمع الوثائق التاريخية في المدن والقرى، وتصوير المخطوطات المتناثرة في المكتبات الخاصة وتصوير وتوثيق الأماكن التاريخية والآثار العمرانية وتأسيس مركز متخصص للتاريخ الشفوي في دولة الإمارات، وهو غير متوافر إلى حد هذه اللحظة رغم أهميته.
إن تأسيس مركز للتاريخ الشفوي في دولة الإمارات يهدف في جملة ما يهدف إليه، إلى حصر أسماء المعاصرين داخل الدولة وخارجها، وإجراء المقابلات المسجلة بالصوت والصورة معهم، ودراسة الروايات وفق قواعد علمية ونقدية والاستفادة من تجارب الجامعات ومراكز البحث العلمي في أوروبا وأميركا، والتعاون مع المراكز والهيئات المحلية والعربية.
كما لابد من الاستعانة بالجمعية الدولية للتاريخ الشفوي والتي تنتقل رئاستها من دولة إلى دولة أخرى، ونحن بحاجة ماسة إلى ما قام به الآخرون منذ سنوات وليس البداية من الصفر. فهناك مراكز أو أقسام للعناية بالتاريخ الشفوي أنشئت من قبل بعض الجهات والمؤسسات الأكاديمية في دولة الإمارات منها مركز التاريخ الشفوي في جامعة الإمارات والذي أُغلق منذ سنوات وقسم للتاريخ الشفوي في مركز زايد للتراث والتاريخ التابع لنادي تراث الإمارات والذي ورث العديد من الأشرطة المسجل عليها عشرات المقابلات من لجنة التراث والتاريخ قبل إلغاء اللجنة.
وإدارة التراث المعنوي بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وإدارة الثقافة والتراث بدائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة، وغير هذه الإدارات والأقسام التي تعنى بالتاريخ الشفوي في دوائر البلديات ربما ومراكز البحث الأخرى في الدولة وآخرها كانت اللجنة التي شكلتها وزارة الثقافة لأجل هذا الغرض وهو حصر وجمع وتسجيل الروايات الشفوية، وهذه كلها جهود طيبة بلا شك يشكر القائمون عليها ، ولكن هناك مراكز للتاريخ الشفوي أنشئت منذ 100 عام في الولايات المتحدة على سبيل المثال.
والعديد منها أيضا في دول أوروبا وأميركا اللاتينية ودول الاتحاد السوفيتي السابق يمكن فتح مجال التعاون معها للاطلاع على الأعمال الإدارية والفنية وخطوات العمل، ووضع اطر بما يلائم تاريخنا الشامل من التسجيل والنواحي الفنية، والحفظ وآلياته وطرق تقنين المعلومة والتحقق منها.
خبرات
أما المرحلة الثانية وهي الأكثر فعالية، لأن نتائج المرحلة الأولى تكون قد جُنِيَتْ لتنتقل إلى الاستفادة من خبرات الإخوة في المناطق مدار البحث، حيث سيكون نصف الفريق من باحثي المركز المقترح، والنصف الآخر من باحثين دربهم المركز من نفس المنطقة أو الإمارة، ومن ثم سيكون في المرحلة الثالثة فريق العمل كاملا من المنطقة بعد التدريب.
لو عدنا إلى المصادر العربية لوجدنا صعوبات في التعرف على الهيئات الأولى لتجميع الشعر القديم بين روايته وتدوينه، وما نجده لا يمثل في الحقيقة عمل الشعراء أنفسهم على شعرهم، بل ما خلفه لنا الرواة والجامعون عنه. ولو عدنا إلى المتوافر من مجموعات الشعر العربي الأقدم، لوجدنا أن ما وصلنا منها لا يوفر لنا في أحوال عديدة مدونات الرواة أو الجامعين الأوائل، بل مدونات لاحقة ترقى خصوصا إلى عمل المصنفين في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
وما نعرفه عن شعر امرئ القيس وحسان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والمتنبي هو ما أبتاه لنا جامعون ورواة، ولا تصل نهاية سلسلة الإسناد في الروايات المختلفة إلى الشاعر نفسه في أغلب الأحوال. إلا أن هاتين الصعوبتين لا تعدمان، مع ذلك سبيل البحث، وان تجعلانا نقيم في ميدان للدرس غير أكيد المعالم، خصوصا في مرحلة ما قبل التدوين.
يشير الباحث تركي بن رشود الشثري في بحث له بعنوان «الرواية الشفوية بين الضرورة والضرار»، أنه قد يظن البعض أن التدوين لم يحدث إلا في العصر الأموي، وهذا فيما يبدو غير مقبول، حسب الشثري، فإن التدوين كان قد بدأ قبل البعثة في اليمن والحيرة وشيء في الحجاز فأخبار الحميريين وحوادثهم دونوها ونقشوها على الأحجار، وتكتشف بين الفينة والأخرى وبعد ذلك كتبة الوحي وتدوين السنة كما فعل عبد الله بن عمرو قال عنه أبوهريرة (فإنه كان يكتب) وقال عن نفسه (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام أريد حفظه) ورسائل النبي عليه الصلاة والسلام كانت تكتب وفي كتاب (الفهرست): أن عبيد بن شرية الجرهمي وفد على معاوية فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وأمر افتراق الناس في البلاد، فأجابه على ما سأل فأمر معاوية أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية وله من الكتب (كتاب الأمثال) و(كتاب الملوك وأخبار الماضين).
شخصية المؤلف
وذكر أيضاً أن بمدينة الحديثة رجل اسمه محمد بن الحسين لديه خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة يقول وقد كان ضنينا بما عنده فلما انس بي دفع لي ثلاثمئة رطل من جلود وصكاك وقراطيس وورق صيني وورق تهامي وجلود أدم فيها تعليقات عن العرب وقصائد وشيء من النحو والحكايات والأخبار والأسماء والأنساب وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم وكان على كل جزء أو ورقة توقيع العلماء واحدا إثر واحد.
ولكن ذلك التدوين كان عبارة عن جمع لا يعكس شخصية الكاتب فلما دخل الفرس والروم الإسلام وكانوا أصحاب كتب وحضارات ظهرت شخصية المؤلف فأصبح يجمع ما يتعلق بالموضوع الواحد في كتاب ومع ذلك لم يصل إلينا من كتب الأمويين إلا القليل وأغلب هذه الكتب انتقلت بالرواية وأدخلت في كتب العباسيين.
وبالنسبة للتاريخ كانت هذه المرويات هي الأساس الذي عليه بنيت المؤلفات ككتب ابن إسحاق وابن جرير ولو تتبعت سلسلة رواية بن جرير وجدت الأربعة الذين يتصلون بحياته كانوا في العصر العباسي وهم يروون عن الذين في عهد الأمويين والراشدين.
وإن كان المقصود ببداية التدوين المنظم المؤسساتي المدعوم من الدولة فالعهد العباسي بلا شك هو من تولى كبر هذه النقلة الحضارية من عام 143هـ وهو زمن المنصور الخليفة العباسي.
ومرت الرواية الشفهية، حسب الشثري، في القرن الثاني بثلاث مراحل الأولى «رحلة الرواة إلى الصحراء»، واستمرت مرحلة الأخذ عن البادية مشافهة حتى أواخر القرن الرابع الهجري، ومن هؤلاء الرواة أبو عمر عيسى بن عمر الثقفي (49ه) وتلميذاه الخليل بن أحمد (1745ه) ويونس بن حبيب (182ه). ومنهم أبو عمرو بن العلاء (154ه) وتلميذه النضر بن شميل (203ه)، وأبو زيد الأنصاري (215ه)، وعبد الملك بن قريب الأصمعي (217ه)، والكسائي (189ه)، وتلميذاه أبو عمر الشيباني (206ه) والفراء (207ه). ثم يعودون بهذه المادة العلمية لتملى على الطلاب وتروى في مجالس الخلفاء.
تلاميذ الرواة
نقل التلاميذ عمن أخذ عن الأعراب، وهم معظم تلاميذ الرواة كأبي حاتم السجستاني (248ه) والتوزي (230ه) وأبو علي الحرمازي وأبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي (225ه) والعباس الرياشي (257ه) وأبو نصر الباهلي (231ه). وعن هؤلاء التلاميذ نقل العلماء الكبار في جميع الفنون وأغلبها ما يتصل بالأدب والتاريخ والتفسير.
قامات شعرية
حين نتذكر قامات شعرية كبيرة من الإمارات، مثل الشاعر سالم الجمري والشاعر والباحث حمد خليفة أبو شهاب، وما جُمٍعً من شعر الأول، وما قدمه الثاني من جهد علمي في جمع شعر العديد من شعراء الإمارات، ووضعه أمام الباحثين في كتابه «تراثنا من الشعر الشعبي» بجزئيه، حين نتذكر هذه القامات وغيرها الكثير ممن لم تصلهم يد البحث والتقصي والجمع لنتاجهم بعد، يتبادر إلى الذهن فوراَ تساؤل كبير وهو أننا إلى اليوم لم نؤسس لمركز جاد ومتخصص لجمع الروايات الشفهية وتدوين تاريخنا الشفوي.
عمار السنجري



