تقود جردة مؤلفات السنة التي تنشرها صحيفة «الباييس» الاسبانية في نهاية كل عام والتي جاءت هذه المرة بقلم الباحث ونستون مانريكي سابوغال- تقود إلى نتيجة مفادها أن كتابين يقومان على التوالي بوظيفة مستهل وخاتمة التاريخ الاسباني الأبرز في القرن العشرين وإذا أضيف إلى هذا الجانب تلك النظرة الاسترجاعية لعدة كتاب حول حياتهم أو محيطهم اليومي الأكثر اعتيادية،فإنها جميعا تشكل المواضيع المسيطرة بين الكتب العشرة الأكثر بروزا في عام 2009.
تلك هي النتيجة التي خلص إليها استبيان أجرته«بابيليا» مع 50 ناقدا وصحافيا يعملون في هذه المجلة الثقافية التي تصدر عن صحيفة « الباييس»، التي تعد الأولى من نوعها في العالم الذي يتحدث لغة سيرفانتيس، والتي كانت لحظة إعداد هذا التحقيق عازمة على إصدار عدد خاص في نهاية ديسمبر يحتوي على مقالات حول كل عنوان من العناوين المختارة. وبدوره، فإن موقع الصحيفة على الانترنت يفرد تغطية واسعة وعميقة حول أبرز الأعمال وذلك استنادا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع مؤلفي تلك الكتب وإلى فصول كاملة منها بالإضافة إلى رد كل واحد من المستطلعة آراؤهم هذا العام.
الكتاب الأول
ويؤكد سابوغال أن الكتاب الأول في القائمة هو«تشريح لحظة» الصادر عن دار«موندادوري» للنشر والذي يحاول فيه خافيير سيركاس الاقتراب من الحدث الحاسم في التاريخ الاسباني المعاصر متمثلا في الانقلاب العسكري الفاشل الذي حدث في 23 فبراير 1981، والذي يعتبر بمثابة الخاتمة بالنسبة لنظام فرانسيسكو فرانكو، الذي بقي في السلطة من عام 1939 إلى عام 1975، والذي فضح أشباح الديكتاتورية عندما توطدت دعائم الديمقراطية في البلاد. أما العمل الثاني فيحمل عنوان «ليلة الأزمان» الصادر عن دار«سيكس بارال» للنشر للكاتب والباحث الاسباني أنطونيو مونيوز مولينا، الذي كانت صحيفة«البيان» قد كتبت قبل سنة خلت تقريبا عن أحد أهم كتبه ،الذي جاء تحت عنوان«قرطبة الأمويين». و«ليلة الأزمان» رواية يمكن النظر إليها كمقدمة لذلك التاريخ فهي تنطوي على عملية إعادة بناء لتلك الأيام التي سبقت الحرب الأهلية الاسبانية التي امتدت من عام 1936 إلى عام 2939 وذلك عن طريق حياة رجل وحالة حب سرعان ما تنهار في الوقت الذي يحدث الشيء نفسه في بلاده بجريرة ظاهرة عدم التسامح والمتشددين الأيديولوجيين الذين أوصلوا فرانكو إلى السلطة.
ويكمل قائمة أبرز الكتب، وفقا لما أوردته«بابيليا»، كتاب«سخط» الصادر عن دار «ماندادوري» للكاتب الأميركي فيليب روث، ويله «هنا» الصادر عن دار«بيرتليبي» للايرلندية ويسلاوا سيزمبورسكا، و«قصة حياتي» الصادر عن دار «أطلنطة» للإيطالي جياكومو كازانوفا، و«جنوب غرب» الصادر عن «بيرتليبي» للأرجنتيني هارولدو كونتي، و«خزانة ملأى بالظلال» الصادر عن «غالاكسيا غوتربيرغ» للشاعر الاسباني أنطونيو غامونيدا، و«رسائل» الصادر عن دار«لومين» للشاعرة الأميركية إيميلي ديكينسون،و«وهنا تبدأ قصتنا» الصادر عن دار«ألفاغوار»للأميركي توبياس وولف، وأخيرا « ميثيولوجيات الشتاء. إمبراطور الغرب» الصادر عن دار« الفابيا» للفرنسي بيير ميشون.
263 عنواناً
في الاستبيان العام حول أفضل الكتب لعام 2009 في إسبانيا، بلغ العدد الإجمالي للعناوين التي شملها استطلاع الرأي هذا 263 عنوانا من كل أجناس الكتابة التي نشرت في إسبانيا هذا العام، حيث قام كل واحد من النقاد والصحافيين الذين شاركوا فيه باختيار عشرة عناوين معطيا للعمل الأول 10 نقاط والثاني تسعة وهكذا دواليك. في حين كان النصر في السنة الماضية من نصيب الروايات القصيرة والقصص وفيما يتعلق بالمؤلفين فإن حضور الكتاب بالاسبانية كان كاسحا في السنة الماضية،لكن الأمور سارت على نحو مختلف تماما إن لم يكن معاكس هذه السنة. فمن بين 20 عنوانا هناك ثلاثة منها فقط تخص القصة وثمانية كتاب بالاسبانية في ميدان الرواية كما في البحث.
ويرى الباحث الاسباني إن مملكة الرواية قد وقعت في مطب هذا العام.فمن بين 20 عنوانا مفضلا لا يوجد سوى خمسة منها تستجيب لهذا الجنس الأدبي، حيث تقوم هذه القائمة على سبعة أبحاث وثلاثة مجموعات قصصية وديوانين شعريين وكتابي مذكرات وكتاب رسائل. صحيح أن إختيارات النقاد والصحافيين المستطلعة آراؤهم قد شملت الرواية مرات عدة، لكن الكتاب البحثي حقق مراتب أعلى بما فيها المرتبة الأولى. وهنا يتعلق الأمر بجنس كتابي يحتوي على مواضيع ومعالجات لقضايا وأساليب واسعة ومتنوعة جدا مع كتب حول السياسة أو الفلسفة أو الحرب العالمية الثانية. كما تبرز القائمة النهائية حضورا قويا للبحث الأدبي والثقافي بالتزامن مع استعادة مقالات أو قطع على طريقة تلك التي كتبها فرانسيسكو كاسافيا في «سمو، لباقة وحماسة» و جي.إم. كويتزي في « آليات داخلية».
اتجاهات أدبية
ويعتبر استطلاع الرأي هذا تأكيدا لبعض الاتجاهات الأدبية السائدة خلال السنتين الأخيرتين، على غرار جنس كتابة السيرة الذاتية والمذكرات، فضلا عن اتجاه التهجين بين الأجناس الكتابية كالبحث والرواية والشهادات أو المراسلات التي تضع هذه الكتب في مناطق حدودية متجاورة ومتحركة تبعا للقارئ ولذوقه واهتماماته. تلك هي حالة الكتاب الأكثر ورودا في الاستطلاع( 19 مرة) والأعلى تصويتا(117 نقطة) وهو تحليل لحظة، الذي يبحث سيركاس فيه ويروي ويبدع ويتأمل ويعيد بناء الظروف التي أحاطت بمحاولة الانقلاب العسكري في 23 فبراير في مدريد، والذي صنفته«بابيليا» ضمن باب البحث بعد مناقشة وتحليل عناصره الروائية والبحثية أو تلك البعيدة عن العمل الروائي القادم من عالم الخيال، حيث يدرج العالم الأنجلوسكسوني أنواع الكتابة التي لا علاقة لها بالسرد الأدبي والخيال الروائي.
على الرغم من أنه لا يوجد سوى ثلاثة دواوين شعرية بين الكتب المفضلة، إلا أن الشعراء حاضرون في كتابين آخرين هما مذكرات أنطونيو غامونيدا ومراسلات إيميلي ديكينسون. جنس السيرة الذاتية والمذكرات والمراسلات الذي بلغ ذروته في اسبانيا ممثلا بكتب عديدة على غرار«قصة حياتي» لكازانوفا،«خزانة ملأى بالظلال لغامونيدا،«رسائل» لديكينسون وإلى حد ما « العنصر الإنساني» لجون كارلين، وهي قصة خبرية حول حياة نيلسون مانديلا ومغامرته السياسية في بلاده جنوب أفريقيا.ويخلص الباحث الاسباني إلى أن النتيجة العامة للاستطلاع تظهر توطد مكانة المقالات الافتتاحية الصغيرة والإقبال عليها.
أبرز 10 كتب عام 2009
ـ تشريح لحظة
تأليف : خافيير سيركاس
الناشر : ماندارودي
ـ ليلة الأزمان
تأليف : أنطونيو مونيوز مولينا
الناشر : سيكس بارال
ـ سخط
تأليف : فيليب روث
الناشر : ماندارودي
ـ هنا
تأليف : زيسلايا سزيبرسكا
الناشر : بارتليبي
ـ قصة حياتي
تأليف : جياكومو كازانوفا
الناشر : أطلنطة
ـ جنوب شرق
تأليف : هيرالدو كونتي
الناشر : بارتليبي
ـ خزانة ملأى بالظلال
تأليف : أنطونيو غامونيدا
الناشر : غاليسكسيا غوتنبيرغ
ـ رسائل
تأليف : إيميلي ديكينسون
الناشر : لومين
ـ هنا تبدأ قصتنا
تأليف : توبياس وولف
الناشر : ألفاغوارا
ميثولوجيات الشتاء، إمبراطور الغرب
تأليف : بييري مينشون
الناشر : ألفابيا
«تحليل لحظة»
أراد خافيير سيركاس كتابة رواية حول انقلاب 23 فبراير في مدريد، لكن بعد أن اجتمعت كل المعلومات المتوفرة حول تلك اللحظة الحاسمة في التاريخ الاسباني الحديث، أدرك الكاتب أنه لا يوجد عمل روائي قادر على إعطاء المادة التي كانت بين يديه حقها.
وهكذا وانطلاقا من لحظة اجتمعت خلالها ثلاث إيماءات شجاعة تخص ثلاثة رجال رفضوا الانبطاح على الأرض وسط حشد المخطوفين في مقر الكونغرس يوم الانقلاب العسكري الشهير، راح سيركاس يحيك قصة استثنائية موظفا تلك اللحظة جاعلا منها عينا ساحرة لباب يمكن من خلالها تأمل حقبة وبلد مع معرفة مطلقة بالمصادر والوثائق وسيطرة تامة على الأدوات والموارد المستخدمة في عملية السرد في هذا الكتاب الذي يعد أفضل قصة خبرية عن مرحلة حاسمة عاشتها اسبانيا ويرصد ويراجع أحداث ذلك اليوم والتطورات التي أفضت إليه، حيث ينغمس القارئ في زمن وبيئة وأحداث كثيرة.
«ليلة الأزمان»
يعالج كتاب«ليلة الأزمان» لأنطونيو مونيوز مولينا كيف عاش الأسبان ومجتمعهم في زمن الجمهورية، لكن المؤلف لا يبتغي، في هذه الحالة، توثيق ذلك رغم أن الكتاب يعتمد على معلومات موثقة ومسهبة ودقيقة بطريقة لا يرقى إليها حتى البحث السوسيولوجي أو السياسي، بل إنه يريد تخيل ذلك الجزء من تاريخ بلاده متسللا إلى قلب مواطن عاش في تلك الآونة.
وعن دوافع ومضمون الكتاب يقول مولينا نفسه: كتبت الرواية راغبا بتقصي الأسلوب الذي لا تغير، من خلاله، عاطفة الحب حياة العشاق المتحدين فيها وإنما حياة الناس الذين يحيطون بهم أيضا، أولئك الذين يعانون، من دون أن يشهدوا لحظة الانبهار، من تأثيراتها القاسية وغير المرئية. كما أردت وضع نفسي داخل نفس رجل ينتمي إلى تلك الفئة من الحالمين البراغماتيين الذين كانوا يتمتعون بأهمية كبيرة وسط الأزمة الكبرى في القرن العشرين.
دبي ـ باسل أبو حمدة
